الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              القسم الأول إثبات العلة بأدلة نقلية

              وجملة الأدلة الشرعية ترجع إلى ألفاظ الكتاب والسنة والإجماع والاستنباط فنحصره في ثلاثة أقسام :

              القسم الأول إثبات العلة بأدلة نقلية :

              وذلك إنما يستفاد من صريح النطق أو من الإيماء أو من التنبيه على الأسباب وهي ثلاثة أضرب :

              الضرب الأول : الصريح وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله : " لكذا أو لعلة كذا أو لأجل كذا أو لكي لا يكون كذا وما يجري مجراه من صيغ التعليل مثل قوله تعالى { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } و { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } و { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } وقوله عليه السلام : { إنما جعل الاستئذان لأجل البصر } و { إنما نهيتكم لأجل الدافة } فهذه صيغ التعليل إلا إذا دل دليل على أنه ما قصد التعليل فيكون مجازا كما يقال : لم فعلت ؟ لأني أردت أن أفعل فهذا لا يصلح أن يكون علة فهو استعمال اللفظ في غير محله قال القاضي : قوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } من هذا الجنس ; لأن هذا لام التعليل ، والدلوك لا يصلح أن يكون علة فمعناه " صل عنده " فهو للتوقيت وهذا فيه نظر إذ الزوال والغروب لا يبعد أن ينصبه الشرع علامة للوجوب ، ولا معنى لعلة الشرع إلا العلامة المنصوبة ، وقد قال الفقهاء : الأوقات أسباب ; ولذلك يتكرر الوجوب بتكررها ولا يبعد تسمية السبب علة .

              الضرب الثاني : التنبيه والإيماء على العلة كقوله عليه السلام لما سئل عن الهرة : { إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات } فإنه وإن لم يقل ; لأنها أو لأجل أنها من الطوافين لكن أومأ إلى التعليل ; لأنه لو لم يكن علة لم يكن ذكر وصف الطواف مفيدا فإنه لو قال : إنها سوداء أو بيضاء لم يكن منظوما إذا لم يرد التعليل وكذلك قوله { : فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا } و { إنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما } وقوله جل جلاله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء } فإنه بيان لتعليل تحريم الخمر حتى يطرد في كل مسكر

              وكذلك ذكر الصفة قبل الحكم كقوله : { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } فهو تعليل حتى يفهم منه تحريم الإتيان في غير المأتى ; لأن الأذى فيه دائم ولا يجري في المستحاضة ; لأن ذلك عارض ، وليس بطبيعي وكذلك قوله : { تمرة طيبة وماء طهور } فإن ذلك لو لم يكن تعليلا لاستعماله لما كان الكلام واقعا في محله ، وهو الذي يدل على أنه كان ماء نبذ فيه تميرات فيقاس عليه الزبيب وغيره

              ولا يقاس عليه المرقة والعصيدة وما انقلب شيئا آخر بالطبخ وكذلك قوله عليه السلام : { أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقيل : نعم ، فقال : فلا إذا } ففيه تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه :

              أحدها : أنه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به .

              الثاني : قوله " إذا " فإنه للتعليل .

              الثالث : " الفاء " في قوله " فلا إذا " فإنه للتعقيب والتسبيب

              ومن ذلك أن يجيب عن المسألة بذكر نظيرها كقوله : { أرأيت لو تمضمضت ؟ } { أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه ؟ } فإنه لو لم يكن للتعليل لما كان التعرض لغير محل السؤال منتظما ، ومن ذلك أن يفصل الشارع بين قسمين بوصف ويخصه بالحكم كقول القائل : القاتل لا يرث فإنه يدل في الظاهر [ ص: 309 ] على أنه لا يرث لكونه قاتلا ، وليس هذا للمناسبة بل لو قال : الطويل لا يرث أو الأسود لا يرث لكنا نفهم منه جعله الطول والسواد علامة على انفصاله عن الورثة

              فهذا وأمثاله مما يكثر ولا يدخل تحت الحصر فوجوه التنبيه لا تنضبط ، وقد أطنبنا في تفصيلها في " كتاب شفاء العليل " وهذا القدر كاف ههنا .

              الضرب الثالث : التنبيه على الأسباب بترتيب الأحكام عليها بصيغة الجزاء والشرط وبالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب كقوله عليه السلام { من أحيا أرضا ميتة فهي له } و { من بدل دينه فاقتلوه } وقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } و { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما } وقوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ويلتحق بهذا القسم ما يرتبه الراوي بفاء الترتيب كقوله : زنى ماعز فرجم ، وسها النبي فسجد ، ورضخ يهودي رأس جارية فرضخ النبي رأسه ; فكل هذا يدل على التسبيب ، وليس للمناسبة فإن قوله { من مس ذكره فليتوضأ } يفهم منه السبب ، وإن لم يناسب

              بل يلتحق بهذا الجنس كل حكم حدث عقيب وصف حادث سواء كان من الأقوال كحدوث الملك والحل عند البيع والنكاح والتصرفات أو من الأفعال كاشتغال الذمة عند القتل والإتلاف أو من الصفات كتحريم الشرب عند طريان الشدة على العصير وتحريم الوطء عند طريان الحيض فإنه ينقدح أن يقال : لا يتجدد إلا بتجدد سبب ولم يتجدد إلا هذا فإذا هو السبب ، وإن لم يناسب فإن قيل : فهذه الوجوه المذكورة تدل على السبب والعلة دلالة قاطعة أو دلالة ظنية ؟ قلنا :

              أما ما رتب على غيره بفاء الترتيب وصيغة الجزاء والشرط فيدل على أن المرتب عليه معتبر في الحكم لا محالة فهو صريح في أصل الاعتبار أما اعتباره بطريق كونه علة أو سببا متضمنا للعلة بطريق الملازمة والمجاورة أو شرطا يظهر الحكم عنده بسبب آخر أو يفيد الحكم على تجرده حتى يعم الحكم المحال أو يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال فمطلق الإضافة من الألفاظ المذكورة ليس صريحا فيها ولكن قد يكون ظاهرا من وجه ويحتمل غيره

              وقد يكون مترددا بين وجهين فيتبع فيه موجب الأدلة . وإنما الثابت بالإيماء والتنبيه كون الوصف المذكور معتبرا بحيث لا يجوز إلغاؤه مثال هذا قوله عليه السلام : { لا يقض القاضي وهو غضبان } وهو تنبيه أن الغضب علة في منع القضاء لكن قد يتبين بالنظر أنه ليس علة لذاته بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر حتى يلحق به الجائع والحاقن والمتألم فيكون الغضب مناطا لا لعينه بل لمعنى يتضمنه

              وكذلك قوله : " سها فسجد " يحتمل أن يكون السبب هو السهو لعينه ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من ترك أبعاض الصلاة حتى لو تركه عمدا ربما قيل يسجد أيضا وكذلك قوله : " زنى ماعز فرجم " احتمل أن يكون ; لأنه زنى واحتمل أن يكون لما يتضمنه الزنا من إيلاج فرج في فرج محرم قطعا ، مشتهى طبعا حتى يتعدى إلى اللواط

              وكذلك قوله { من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر } يحتمل أن يكون لنفس الجماع ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من هتك حرمة الشهر ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الأكل والظاهر الإضافة إلى الأصل ومن صرفه عن الأصل [ ص: 310 ] إلى ما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الأكل افتقر إلى دليل ، وهذا النوع من التصرف غير منقطع عن هذه الإضافات ، فهذا ظاهر في الإضافات اللفظية إيماء كان أو صريحا ; أما ما يحدث بحدوث وصف كحدوث الشدة ففي إضافة الحكم إليه نظر سيأتي في الطرد والعكس

              التالي السابق


              الخدمات العلمية