الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      معلومات الكتاب

      معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول

      الحكمي - حافظ بن أحمد الحكمي

      صفحة جزء
      [ ص: 1126 ] فصل في من هو أفضل الأمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الصحابة بمحاسنهم ، والكف عن مساويهم وما شجر بينهم ، رضي الله عنهم .

      أهم ما في هذا الفصل خمس مسائل :

      الأولى : مسألة الخلافة .

      والثانية : فضل الصحابة وتفاضلهم بينهم .

      والثالثة : تولي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته ، سلام الله ورحمته وبركته عليهم ، ومحبة الجميع والذب عنهم .

      الرابعة : ذكرهم بمحاسنهم ، والكف عن مساويهم .

      والخامسة : السكوت عما شجر بينهم ، وأن الجميع مجتهد ، فمصيبهم له أجران أجر على اجتهاده ، وأجر على إصابته ، ومخطؤهم له أجر الاجتهاد ، وخطؤه مغفور .

      خلافة الصديق ، رضي الله عنه .


      وبعده الخليفة الشفيق نعم نقيب الأمة الصديق     ذاك رفيق المصطفى في الغار
      شيخ المهاجرين والأنصار     وهو الذي بنفسه تولى
      جهاد من عن الهدى تولى

      .

      ( وبعده ) أي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( الخليفة ) له في أمته ( الشفيق ) بهم وعليهم ( نعم ) فعل مدح ( نقيب ) فاعل نعم ، والنقيب عريف القوم وأفضلهم ( الصديق ) هو المخصوص بالمدح ، وهو النقابة منه لجميع الأمة .

      وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي ، أول الرجال إسلاما ، وأفضل الأمة على الإطلاق ، رضي الله عنه . فلنسق الكلام أولا في خلافته ، ثم في مقاماته أيام خلافته ، رضي الله عنه .

      فأما خلافته فقد تقدم الحديث في تقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه إماما في الصلاة مقامه أيام مرضه - صلى الله عليه وسلم ، وهو في الصحيحين من طرق عن عائشة بألفاظ ، وعن جماعة [ ص: 1127 ] غيرها من الصحابة - رضي الله عنهم - في الصحيحين وغيرهما ، منهم أنس وابن عباس وسهل بن سعد وأبو موسى الأشعري وعمر بن الخطاب .

      وقد راجعته عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - مرارا ، وهو يكرر مرارا عديدة يقول : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، مروا أبا بكر فليصل بالناس ، مروا أبا بكر فليصل بالناس . ولما أشير بغيره حرك يده ، وقال : ليصل بالناس ابن أبي قحافة .

      وفي رواية : يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ، رضي الله عنه
      .

      وروى البخاري ومسلم ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه - رضي الله عنه - قال : أتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن ترجع إليه ، قالت : أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول الموت ، قال - صلى الله عليه وسلم : إن لم تجديني فأتي أبا بكر .

      وفيهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : بينما أنا نائم ، رأيتني على قليب ، عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ، ثم أخذها ابن أبي قحافة ، فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين ، وفي نزعه ضعف ، والله يغفر له ضعفه ، ثم استحالت غربا ، فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر ، حتى ضرب الناس بعطن .

      وفيهما عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان يحدث : أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل ، فأرى الناس يتكففون منها ، فالمستكثر والمستقل ، وإذا سبب [ ص: 1128 ] واصل من الأرض إلى السماء ، فأراك أخذت به فعلوت ، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به ، ثم أخذ به رجل آخر فينقطع ، ثم وصل فقال أبو بكر : يا رسول الله ، بأبي أنت ، والله لتدعني فأعبرها . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : اعبرها . قال : أما الظلة فالإسلام ، وأما الذي ينطف السمن والعسل فالقرآن ، حلاوته تنطف ، فالمستكثر من القرآن والمستقل ، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض ، فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله - عز وجل ، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به ، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ، ثم يأخذ به رجل فينقطع ، ثم يوصل فيعلو به ، فأخبرني يا رسول الله ، بأبي أنت ، أصبت أم أخطأت ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم : أصبت بعضا ، وأخطأت بعضا . قال : فوالله يا رسول الله ، لتحدثني بالذي أخطأت . قال : لا تقسم .

      وفيهما عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس ، وقال : إن الله تعالى خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله - عز وجل . قال : فبكى أبو بكر ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبد خير ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر - رضي الله عنه ، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي ، لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبا بكر ، رضي الله عنه .

      وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه : ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ، ويقول قائل أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر .

      وروى أبو داود ، عن عبد الله بن زمعة - رضي الله عنه - قال : لما استعز برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عنده في نفر من [ ص: 1129 ] المسلمين ، دعاه بلال إلى الصلاة ، فقال : مروا من يصلي للناس ، فخرج عبد الله بن زمعة ، فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا ، فقلت : يا عمر ، قم فصل بالناس ، فتقدم فكبر ، فلما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته ، وكان عمر - رضي الله عنه - رجلا مجهرا ، قال : فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون ، فبعث إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس .

      وفي رواية قال : لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت عمر - رضي الله عنه - قال ابن زمعة : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أطلع رأسه من حجرته ، ثم قال : - صلى الله عليه وسلم : لا لا لا ، ليصل للناس ابن أبي قحافة .

      وله عن الحسن ، عن أبي بكرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم : من رأى منكم رؤيا ؟ قلت : أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء ، فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت بأبي بكر ، ووزن عمر وأبو بكر ، فرجح أبو بكر ، ووزن عمر وعثمان ، فرجح عمر ، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

      ورواه من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة بمعناه ، ولم يذكر الكراهية قال : فاستاء لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، يعني : فساءه ذلك فقال : خلافة نبوة ، ثم يؤتي الله الملك من يشاء .

      [ ص: 1130 ] وله عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه كان يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ونيط عمر بأبي بكر ، ونيط عثمان بعمر . قال جابر : فلما قمنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا : أما الرجل الصالح فرسول الله - صلى الله عليه وسلم ، وأما تنوط بعضهم ببعض ، فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ، صلى الله عليه وسلم .

      وله عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني رأيت كأن دلوا دليت من السماء ، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها ، شرب شربا ضعيفا ، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها ، فشرب حتى تضلع ، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها ، فشرب حتى تضلع ، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها ، فانتشطت وانتضح عليه منها شيء .

      وروى الترمذي ، عن حذيفة - رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إني لأرى ما بقائي فيكم ، فاقتدوا باللذين من بعدي ، وأشار إلى أبي بكر وعمر . حديث حسن .

      وله عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره . وروى مسلم ، عن عائشة - رضي الله عنها ، وسئلت : من [ ص: 1131 ] كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخلفا لو استخلفه ؟ قالت : أبو بكر . فقيل لها : ثم من بعد أبي بكر ؟ قالت : عمر . قيل لها : من بعد عمر ؟ قالت : أبو عبيدة بن الجراح .

      وصفة بيعته - رضي الله عنه - بخلافة النبوة ما رواه البخاري ، عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات ، وأبو بكر بالسنح قال إسماعيل يعني بالعالية فقام عمر يقول : والله ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت وقال عمر : والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبله فقال : بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا . والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا . ثم خرج فقال : أيها الحالف على رسلك . . فلما تكلم جلس عمر - رضي الله عنه - فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال : ألا من كان يعبد محمدا - صلى الله عليه وسلم - فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) ( آل عمران 144 ) قال فنشج الناس يبكون . قال واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا : منا أمير ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وأبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول : والله ما رأيت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه : نحن الأمراء وأنتم الوزراء . فقال حباب : لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير . فقال أبو بكر : لا ولكن نحن الأمراء وأنتم الوزراء إن قريشا هم أوسط العرب دارا وأعربهم أحسابا فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح فقال عمر : بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس فقال قائل : قتلتم سعد بن عبادة فقال عمر : قتله الله . زاد في رواية : فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها ، [ ص: 1132 ] لقد خوف عمر الناس وإن فيهم النفاق فردهم الله بذلك ثم لقد بصر أبو بكر الناس الهدى وعرفهم الحق الذي عليهم وخرجوا به يتلون ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل - إلى - الشاكرين ) ( آل عمران 144 ) .

      وفيه أيضا : عن عمر - رضي الله عنه - من خطبته الطويلة قال : ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول : والله ، لو مات عمر بايعت فلانا ، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا إنها قد كانت كذلك ، ولكن الله وقى شرها ، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر . من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين ، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن الأنصار خالفونا ، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار . فانطلقنا نريدهم ، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان ، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم ، فقال : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقال : لا عليكم أن لا تقربوهم ، اقضوا أمركم . فقلت : والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى أتينا سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة . فقلت : ما له ؟ قالوا : يوعك . فلما جلسنا قليلا ، تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقد دفت دافة من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يحضنونا من الأمر ، فلما سكت ، أردت أن أتكلم وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر : على رسلك ، فكرهت أن أغضبه ، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر ، والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها وأفضل منها ، حتى سكت فقال : ما ذكر فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما [ ص: 1133 ] شئتم ، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، وهو جالس بيننا ، فلم أكره مما قال غيرها .

      كان والله أن أقدم تضرب عنقي ، ولا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن ، فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش . فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، ثم بايعته الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت : قتل الله سعد بن عبادة . قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على ما لا نرضى ، وإما نخالفهم فيكون فسادا ، فمن بايع رجلا على غير مشورة المسلمين ، فلا يتابع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا .

      وروى الإمام أحمد ، عن حميد بن عبد الرحمن قال : توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر - رضي الله عنه - في صائفة من المدينة ، قال : فجاء فكشف عن وجهه فقبله ، وقال : فداك أبي وأمي ، ما أطيبك حيا وميتا ، مات محمد ورب الكعبة . فذكر الحديث .

      فانطلق أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يتعادان حتى أتوهم ، فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار أو ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شأنهم إلا ذكره ، وقال : لقد علمتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو سلك الناس واديا ، وسلكت الأنصار واديا ، لسلكت وادي الأنصار . ولقد علمت يا سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وأنت قاعد : قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم ، فقال له سعد : صدقت ، نحن الوزراء وأنتم الأمراء .

      وله بإسناد جيد عن رافع الطائي رفيق أبي بكر الصديق في غزوة ذات السلاسل ، قال : وسألته عما قيل في بيعتهم ، فقال وهو يحدث عما تقاولت به الأنصار ، وما كلمهم به ، وما كلم به عمر بن [ ص: 1134 ] الخطاب - رضي الله عنه - الأنصار ، وما ذكر به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه ، فبايعوني لذلك وقبلتها منهم ، وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة .

      وروى البخاري ، عن أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر ، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر صامت لا يتكلم ، قال : كنت أرجو أن يعيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يدبرنا ، يريد بذلك أن يكون آخرهم ، فإن يك محمد قد مات ، فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به هدى الله محمدا - صلى الله عليه وسلم ، وإن أبا بكر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثاني اثنين ، وإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه ، وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعة العامة على المنبر .

      قال الزهري : عن أنس بن مالك سمعت عمر يقول يومئذ لأبي بكر : اصعد المنبر ، فلم يزل به حتى صعد المنبر ، فبايعه عامة الناس .

      وقال محمد بن إسحاق : حدثني الزهري ، حدثني أنس بن مالك قال : لما بويع أبو بكر في السقيفة ، وكان الغد جلس أبو بكر - رضي الله عنه - على المنبر ، وقام عمر فتكلم قبل أبي بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس ، إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ، وما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت عهدا عهدها إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكني أرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدبر أمرنا - يقول يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله له ، وإن الله تعالى قد جمع أمركم على خيركم ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فقوموا فبايعوه ، فبايع الناس أبا بكر - رضي الله عنه - بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس فإني قد وليت عليكم ، ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله - عز وجل . لا [ ص: 1135 ] يدع قوم الجهاد في سبيل الله - عز وجل - إلا ضربهم بالذل ، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله ، فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .

      وروى البيهقي من طريق ابن خزيمة بإسناده ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة ، وفيهم أبو بكر وعمر ، قال : فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان من المهاجرين ، وخليفته من المهاجرين ، ونحن كنا أنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره . فقال : فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلكم ، أما لو قلتم غير هذا لم نبايعكم ، وأخذ بيد أبي بكر ، وقال : هذا صاحبكم ، فبايعوه فبايعه عمر ، وبايعه المهاجرون والأنصار .

      قال : فصعد أبو بكر المنبر ، فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير ، قال : فدعا بالزبير فجاء ، فقال : قلت ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحواريه ، أردت أن تشق عصا المسلمين ، فقال : لا تثريب يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام فبايعه ، ثم نظر في وجوه القوم ، فلم ير عليا ، فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء فقال : قلت ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وختنه على ابنته ، أردت أن تشق عصا المسلمين ، قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعه .

      وروى مسلم من طريق ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلت إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - تسأله ميراثها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نورث ، ما تركناه صدقة ، إنما يأكل آل محمد - صلى الله عليه وسلم - في هذا المال ، وإني والله لا أغير شيئا من [ ص: 1136 ] صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حالتها التي كانت عليها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولأعملن فيها بما عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

      فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، قال : فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها علي ، وكان لعلي - رضي الله عنه - من الناس وجهة حياة فاطمة - رضي الله عنها ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن بايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتينا معك أحد - كراهية أن يحضر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : عمر لأبي بكر : والله لا تدخل عليهم وحدك . فقال أبو بكر : وما عساهم أن يفعلوا بي ، إني والله لآتينهم ، فدخل عليهم - رضي الله عنه - فتشهد على بن أبي طالب - رضي الله عنه ، ثم قال : إنا عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ، ولكنك استبددت علينا بالأمر ، وكنا نحن نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم . فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر - رضي الله عنه ، فلما تكلم أبو بكر - رضي الله عنه - قال : والذي نفسي بيده ، لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال ، فإني لم آل فيها عن الحق ، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنعه فيها إلا صنعته . فقال علي لأبي بكر - رضي الله عنهما : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر - رضي الله عنه - صلاة الظهر ، رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة ، وعذره بالذي اعتذر إليه ، ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فعظم حق أبي بكر - رضي الله عنه ، وأنه لم يحمله على الذي صنعه نفاسة على أبي بكر ، ولا إنكارا للذي فضله الله به ، ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبا فاستبد علينا به ، فوجدنا في أنفسنا ، فسر بذلك المسلمون ، وقالوا : أصبت . فكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر المعروف .

      [ ص: 1137 ] وهذا لا ينافي ما ذكر في بيعته إياه حين أرسل إليه لما افتقده ليلة السقيفة أو صبحتها ، ولفظة " لم يكن بايع تلك الأشهر " إن كان من قول عائشة ، فلعلها لم تعلم بيعته الأولى التي أثبتها أبو سعيد وغيره ; لأن الرجال في مثل هذه المسألة أقوم وأعلم بها ، إذ لا يحضرها النساء .

      وأيضا فقد قدمنا مرارا أن مجرد النفي لا يكون علما ، وعند المثبت زيادة علم انفرد بها عن النافي ، إذ فآية ما عند النافي أنه لا يعلم ، ولعل عائشة تيقنت عدم حضوره بيعة السقيفة من العشي ، ولم يبلغها حضوره صبحتها في البيعة العامة ، وإن كان هذا كلام بعض الرواة ، فهو بمجرد ما فهمه من البيعة الأخرى ، ظن أنه لم يبايع قبل ذلك مصرحا بظنه " ولم يكن بايع تلك الأشهر " .

      وإنما كانت هذه البيعة بعد موت فاطمة - رضي الله عنها - لإزالة ما كان حصل من الوحشة والمشاجرة بسبب دعواها ، ويشهد لذلك أن عليا بن أبي طالب - رضي الله عنه - لم يفارق الصديق - رضي الله عنه - في ، وقت من الأوقات ، ولا ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه ، وكان خروجه معه إلى ذي القصة حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر في حياة فاطمة - رضي الله عنها - في الشهر الثالث من وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما روى الدارقطني من طريق مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : لما برز أبو بكر إلى ذي القصة ، واستوى على راحلته ، أخذ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بزمامها ، وقال : إلى أين يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ أقول لك ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد : لم سيفك ، ولا تفجعنا بنفسك ، وارجع إلى المدينة ، فوالله لئن فجعنا بك ، لا يكون للإسلام نظام أبدا . فرجع .

      ورواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، والزهري أيضا ، عن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة [ ص: 1138 ] عن أبيه ، عن عائشة قالت : خرج أبي شاهرا سيفه راكبا على راحلته إلى وادي القصة ، فجاء علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فأخذ بزمام راحلته ، فقال : إلى أين يا خليفة رسول الله ؟ أقول لك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد : لم سيفك ، ولا تفجعنا بنفسك ، فوالله لئن أصبنا بك ، لا يكون للإسلام نظام أبدا . فرجع ، وأمضى الجيش .

      وفي الصحيح خروجهما إلى خارج المدينة ، وأن أبا بكر - رضي الله عنه - وجد الحسن بن علي يلعب مع الصبيان فحمله ، وهو يقول :


      بأبي شبيه بالنبي     ليس شبيه بعلي

      .

      وعلي - رضي الله عنه - يضحك .

      ومن تدبر النصوص في ذلك ، وإجماع المهاجرين والأنصار وأهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ، ظهر له تأويل قول الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم : يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر .

      وأما فضله : فقال - تبارك وتعالى : ثاني اثنين إذ هما في الغار ( التوبة 40 ) وقال - تبارك وتعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ( الزمر 33 ) وقال : وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ( الليل 17 - 21 ) حكى [ ص: 1139 ] جماعة من المفسرين على أنها نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأرضاه .

      وفي الصحيحين من حديث الهجرة الطويل : فارتحلنا والقوم يطلبوننا ، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له ، فقلت : هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله ، فقال : لا تحزن إن الله معنا .

      وفيهما من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه ، عن أبي بكر - رضي الله عنه - قال : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم ، وأنا في الغار : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا ، فقال : ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ؟

      وفيهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : كنا نخير بين الناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فنخير أبا بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان - رضي الله عنهم .

      وفي لفظ قال : كنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نعدل بأبي بكر أحدا ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم نترك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نفاضل بينهم .

      وفيهما واللفظ لمسلم ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها ، التفتت إليه البقرة فقالت : إني لم أخلق لهذا ، ولكني إنما خلقت [ ص: 1140 ] للحرث ، فقال الناس : سبحان الله تعجبا وفزعا ، أبقرة تكلم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر .

      وقال أبو هريرة - رضي الله عنه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : بينما راع في غنمه ، عدا عليها الذئب فأخذ منها شاة ، فطلبه الراعي حتى استنقذها منه ، فالتفت إليه الذئب فقال له : من لها يوم السبع ، يوم ليس لها راع غيري . فقال الناس : سبحان الله ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر .

      وفي رواية لهما : ومن ثم أبو بكر وعمر . ولمسلم : وما هما ثم .

      وفي صحيح البخاري ، عن همام قال : سمعت عمارا يقول : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر .

      وفيه عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : كنت جالسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر ، فسلم وقال : يا رسول الله ، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت ، فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك ، فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ، ثم إن عمر - رضي الله عنه - ندم فأتى منزل أبا بكر ، فسأل : أثم أبو بكر ؟ فقالوا : لا ، فأتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلم عليه ، فجعل وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمعر حتى أشفق أبو بكر - رضي الله عنه ، فجثا على ركبتيه فقال : يا رسول الله ، والله أنا كنت أظلم . مرتين ، فقال - صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال أبو بكر صدقت ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ مرتين . فما أوذي بعدها ، وفي رواية : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ هل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ إني قلت : يا أيها الناس ، إني رسول الله إليكم ، فقلتم كذبت ، [ ص: 1141 ] وقال أبو بكر صدقت . قال أبو عبد الله هو البخاري سبق بالخير .

      ولهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله ، دعي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان . فقال أبو بكر : ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ، وقال : هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر .

      وفيه عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل ، فأتيته فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة . فقلت : من الرجال ؟ فقال : أبوها . قلت : ثم من ؟ قال : ثم عمر بن الخطاب ، فعد رجالا .

      وفيه عن محمد بن الحنفية قال : قلت لأبي : أي الناس خير بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أبو بكر . قلت : ثم من ؟ قال : عمر ، وخشيت أن يقول عثمان . فقلت : ثم أنت ؟ قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين .

      وفيه عن عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم . قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوى ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ، ودفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، وقال : [ ص: 1142 ] أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟

      وفيهما عن سعيد بن المسيب قال : أخبرني أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه : أنه توضأ في بيته ، ثم خرج فقلت : لألزمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، ولأكونن معه يومي هذا ، قال : فجاء المسجد فسأل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : خرج ووجه ههنا ، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس ، فجلست عند الباب وبابها من جريد ، حتى قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجته ، فتوضأ فقمت إليه ، فإذا هو جالس على بئر أريس ، وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر ، فسلمت عليه ثم انصرفت ، فجلست عند الباب فقلت : لأكونن بواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليوم ، فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت : من هذا ؟ فقال : أبو بكر . فقلت : على رسلك ، ثم ذهبت فقلت : يا رسول الله ، هذا أبو بكر يستأذن ، فقال : ائذن له وبشره بالجنة ، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر : ادخل ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبشرك بالجنة ، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه في القف ، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكشف عن ساقيه ، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني ، فقلت : إن يرد الله بفلان خيرا - يريد أخاه - يأت به ، فإذا إنسان يحرك الباب ، فقلت : من هذا ؟ فقال : عمر بن الخطاب . فقلت : على رسلك ، ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فقلت : هذا عمر بن الخطاب يستأذن . فقال : ائذن له ، وبشره بالجنة ، فجئت فقلت له : ادخل ، وبشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة ، فدخل فجلس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القف عن يساره ، ودلى رجليه في البئر ، ثم رجعت فجلست ، فقلت : إن يرد الله بفلان خيرا يأت به ، فجاء إنسان يحرك الباب ، فقلت : من هذا ؟ فقال : عثمان بن عفان . فقلت : على رسلك ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته ، فقال : ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه . فقلت له : ادخل ، وبشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة على بلوى تصيبك ، فدخل فوجد القف قد ملئ ، فجلس وجاهه من الشق الآخر . قال سعيد بن المسيب : فأولتها قبورهم .

      [ ص: 1143 ] وفيهما عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أحدا وأبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم فقال : اثبت ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان .

      وللترمذي ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر : أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار . وقال : حسن صحيح .

      وله عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق ، ووافق ذلك عندي مالا ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، قال : فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله . وأتى أبو بكر - رضي الله عنه - بكل ما عنده ، فقال : يا أبا بكر ، ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله . قلت : لا أسبقه إلى شيء أبدا . هذا حديث حسن صحيح .

      ولمسلم ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه سلم : من أصبح منكم اليوم صائما ؟ قال أبو بكر : أنا . قال : فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر : أنا . قال : فمن أطعم اليوم منكم مسكينا ؟ قال أبو بكر : أنا . قال : فمن عاد منكم اليوم مريضا ؟ قال أبو بكر : أنا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة .

      والأحاديث في الصديق كثيرة جدا قد أفردت بالتصنيف ، وفيما ذكر كفاية في [ ص: 1144 ] التنبيه على ما وراءه ، وما أحسن ما قال حسان بن ثابت - رضي الله عنه :


      إذا تذكرت شجوا من أخ ثقة     فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
      خير البرية أوفاها وأعدلها     بعد النبي وأولاها بما حملا
      والتالي الثاني المحمود مشهده     وأول الناس منهم صدق الرسلا
      عاش حميدا لأمر الله متبعا     بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا

      .

      التالي السابق


      الخدمات العلمية