الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : لا تخرجوهن من بيوتهن الآية .

أخرج عبد بن حميد ، عن الشعبي ، أن شريحا طلق امرأته واحدة، ثم سكت عنها حتى انقضت العدة، ثم أتاها فاستأذن، ففزعت، فدخل فقال : إني أردت أن يطاع الله : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن .

وأخرج عبد بن حميد ، عن محمد بن سيرين، أن شريحا طلق امرأته وأشهد، وقال للشاهدين : اكتما علي، فكتما عليه حتى انقضت العدة، ثم أخبرها، فنقلت متاعها، فقال شريح : إني كرهت أن تأثم .

[ ص: 531 ] وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر ، عن ابن عمر قال : المطلقة والمتوفى عنها زوجها يخرجان بالنهار، ولا يبيتان ليلة تامة عن بيوتهما .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عامر قال : حدثتني فاطمة بنت قيس، أن زوجها طلقها ثلاثا، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرها فاعتدت عند ابن عمها عمرو بن أم مكتوم .

وأخرج عبد بن حميد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها – أجد ثلاث تطليقات - فزعمت أنها جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فأبى مروان أن يصدق فاطمة في خروج المطلقة من بيتها، وقال عروة : إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس .

وأخرج ابن مردويه ، عن أبي إسحاق قال : كنت جالسا مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفا من حصى فحصبه، ثم قال : ويلك! تحدث بمثل هذا؟! قال عمر : لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت، لها السكنى والنفقة قال الله : [ ص: 532 ] لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة .

وأخرج عبد الرزاق ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فاستقلتها، فقالا لها : والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له أمرها، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا نفقة لك» فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها، فأرسل إليها مروان يسألها عن ذلك فحدثته، فقال مروان : لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة : بيني وبينكم القرآن؛ قال الله عز وجل : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة حتى بلغ : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قالت : هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟! فكيف يقولون : لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا؟ فعلام تحبسونها؟! ولكن يتركها، حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها، وإن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين، كما قال الله : وأشهدوا ذوي عدل منكم عند الطلاق وعند المراجعة، فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين، وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت منه بواحدة، وهي أملك بنفسها، ثم [ ص: 533 ] تتزوج من شاءت هو أو غيره .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر ، والبيهقي ، عن ابن عباس قال : الطلاق على أربعة منازل : منزلان حلال ومنزلان حرام، فأما الحرام فأن يطلقها حين يجامعها، ولا يدري اشتمل الرحم على شيء أو لا، وأن يطلقها وهي حائض، وأما الحلال فأن يطلقها لأقرائها طاهرا عن غير جماع، وأن يطلقها مستبينا حملها .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه، وابن مردويه ، والبيهقي في «سننه»، عن ابن عمر في قوله : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها الفاحشة المبينة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : الزنى .

وأخرج عبد بن حميد ، عن الحسن ، والشعبي ، مثله .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن مجاهد : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : إلا أن يزنين .

[ ص: 534 ] وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر ، عن عطاء الخراساني في قوله : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت .

وأخرج عبد بن حميد ، عن سعيد بن المسيب : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : إلا أن تصيب حدا فتخرج فيقام عليها .

وأخرج عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وابن راهويه، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن مردويه ، والبيهقي ، من طرق، عن ابن عباس في قوله : ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها .

وأخرج عبد بن حميد ، عن سعيد : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : لو كان كما تقولون : الزنى أخرجت فرجمت؛ كان ابن عباس يقول : إلا أن يفحشن، قال : وهو النشوز .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عكرمة قال : الفاحشة المبينة السوء في الخلق .

وأخرج ابن المنذر ، عن عكرمة في قوله : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال : بفحش، لو زنت رجمت .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن قتادة : بفاحشة مبينة [ ص: 535 ] قال : هو النشوز، وفي حرف ابن مسعود : (إلا أن يفحشن) .

وأخرج عبد بن حميد ، عن قتادة : بفاحشة مبينة قال : هو النشوز .

وأخرج عبد بن حميد ، عن قتادة : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قال : إن بدا له أن يراجعها راجعها في بيتها، هو أبعد من قذر الأخلاق، وأطوع لله أن تلزم بيتها .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر ، عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى يخلو أجلها، وكانوا يقولون : لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا لعله أن يرغب فيها .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن فاطمة بنت قيس في قوله : لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قالت : هي الرجعة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها؛ لأنه لا يدري لعله ينكحها، قال : وكانوا يتأولون هذه الآية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا لعله يرغب فيها .

[ ص: 536 ] وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن الحسن : لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . قال : المراجعة .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن فاطمة بنت قيس في قوله : لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا لعله يرغب في رجعتها .

وأخرج عبد بن حميد ، عن الضحاك ، والشعبي ، مثله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث