الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعدد الروايات في سبب النزول

تعدد الروايات في سبب النزول

قد تتعدد الروايات في سبب نزول آية واحدة ، وفي مثل هذه الحالة يكون موقف المفسر منها على النحو الآتي :

[ ص: 83 ] أ- إذا لم تكن الصيغ الواردة صريحة مثل : " نزلت هذه الآية في كذا " أو " أحسبها نزلت في كذا " فلا منافاة بينها ، إذ المراد التفسير ، وبيان أن ذلك داخل في الآية ومستفاد منها ، وليس المراد ذكر سبب النزول ، إلا إن قامت قرينة على واحدة بأن المراد بها السببية .

ب- إذا كانت إحدى الصيغ غير صريحة كقوله : " نزلت في كذا " وصرح آخر بذكر سبب مخالف فالمعتمد ما هو نص في السببية ، وتحمل الأخرى على دخولها في أحكام الآية ، ومثال ذلك ما ورد في سبب نزول قوله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم : " عن نافع قال : قرأت ذات يوم : " نساؤكم حرث لكم " فقال ابن عمر : أتدري فيم أنزلت هذه الآية ؟ قلت : لا ، قال : نزلت في إتيان النساء في أدبارهن “ ، فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة في السببية ، وقد جاء التصريح بذكر سبب يخالفه " عن جابر قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد أحول ، فنزلت : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " فجابر هو المعتمد لأن كلامه نقل صريح ، وهو نص في السبب ، أما كلام ابن عمر فليس بنص فيحمل على أنه استنباط وتفسير .

جـ- وإذا تعددت الروايات وكانت جميعها نصا في السببية وكان إسناد أحدها صحيحا دون غيره فالمعتمد الرواية الصحيحة ، مثل : ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب البجلي قال : " اشتكى النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يقم ليلتين أو ثلاثا ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، لم يقربك ليلتين أو ثلاثة ، فأنزل الله : والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى " وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها -وكانت خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم : " أن جروا دخل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فدخل تحت السرير ، [ ص: 84 ] فمات ، فمكث النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ، ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ جبريل لا يأتيني! فقلت في نفسي : لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير ، فأخرجت الجرو ، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ترعد لحيته ، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فقال : يا خولة دثريني فأنزل الله : والضحى . . . إلى قوله : فترضى قال ابن حجر في شرح البخاري : " قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة ، لكن كونها سبب نزول الآية غريب ، وفي إسناده من لا يعرف ، فالمعتمد ما في الصحيحين “ .

د- فإذا تساوت الروايات في الصحة ووجد وجه من وجوه الترجيح كحضور القصة مثلا أو كون إحداها أصح قدمت الرواية الراجحة ، ومثال ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال : " كنت أمشي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة ، وهو يتوكأ على عسيب ، فمر بنفر من اليهود ، فقال بعضهم : لو سألتموه ، فقالوا : حدثنا عن الروح ، فقام ساعة ورفع رأسه ، فعرفت أنه يوحى إليه ، حتى صعد الوحي ، ثم قال : قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . . وقد أخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال : " قالت قريش لليهود : أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل ، فقالوا : اسألوه عن الروح ، فسألوه فأنزل الله : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي . . . الآية ، فهذه الرواية تقتضي أنها نزلت بمكة حيث كانت قريش . والرواية الأولى تقتضي أنها نزلت بالمدينة ، وترجح الرواية الأولى لحضور ابن مسعود القصة ، ثم لما عليه الأمة من تلقي صحيح البخاري بالقبول وترجيحه على ما صح في غيره .

وقد اعتبر " الزركشي " هذا المثال من باب تعدد النزول وتكرره ، فتكون هذه الآية قد نزلت مرتين : مرة بمكة ، ومرة بالمدينة ، واستند في ذلك إلى أن سورة " سبحان " مكية بالاتفاق .

[ ص: 85 ] وإني أرى أن كون السورة مكية لا ينفي أن تكون آية منها أو أكثر مدنية ، وما أخرجه البخاري عن ابن مسعود يدل على أن هذه الآية : قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا مدنية ، فالوجه الذي اخترناه من ترجيح رواية ابن مسعود على رواية الترمذي عن ابن عباس أولى من حمل الآية على تعدد النزول وتكرره . ولو صح أن الآية مكية وقد نزلت جوابا عن سؤال فإن تكرار السؤال نفسه بالمدينة لا يقتضي نزول الوحي بالجواب نفسه مرة أخرى ، بل يقتضي أن يجيب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجواب الذي نزل عليه من قبل .

هـ- إذا تساوت الروايات في الترجيح جمع بينها إن أمكن ، فتكون الآية قد نزلت بعد السببين أو الأسباب لتقارب الزمن بينها ، كآيات اللعان : والذين يرمون أزواجهم ، فقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس أنها نزلت في هلال بن أمية ، قذف امرأته عند النبي -صلى الله عليه وسلم- بشريك بن سحماء ، كما ذكرنا من قبل .

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال : " جاء عويمر إلى عاصم بن عدي ، فقال : سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتل به أم كيف يصنع ؟ . . . " فجمع بينهما بوقوع حادثة هلال أولا ، وصادف مجيء عويمر كذلك ، فنزلت في شأنهما معا بعد حادثتيهما . قال ابن حجر : لا مانع من تعدد الأسباب .

و- إن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن فإنه يحمل على تعدد النزول وتكرره ، ومثاله : ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال : " لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ، فقال : " أي عم ، قل : لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله " ، فقال أبو جهل وعبد الله : يا أبا طالب : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال : هو على ملة [ ص: 86 ] عبد المطلب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنه " ، فنزلت : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين .

وأخرج الترمذي عن علي قال : " سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : تستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك ، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنزلت " .

وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال : " خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما إلى المقابر ، فجلس إلى قبر منها ، فناجاه طويلا ثم بكى ، فقال : " إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي ، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي ، فأنزل علي : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين . فجمع بين هذه الروايات بتعدد النزول .

ومن أمثلته كذلك ما روي عن أبي هريرة : " أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به ، فقال : " لأمثلن بسبعين منهم مكانك " ، فنزل جبريل والنبي -صلى الله عليه وسلم- واقف بخواتيم سورة النحل : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به . . . إلى آخر السورة “ ، فهذا يدل على نزولها يوم أحد .

وجاء في رواية أخرى أنها نزلت يوم فتح مكة ، والسورة مكية ، فجمع بين ذلك ، بأنها نزلت بمكة قبل الهجرة مع السورة ، ثم بأحد ، ثم يوم الفتح ، ولا مانع مع ذلك لما فيه من التذكير بنعمة الله على عباده واستحضار شريعته ، قال الزركشي في البرهان : " وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه ، وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه ، كما قيل في الفاتحة ، نزلت مرتين : مرة بمكة ، وأخرى بالمدينة " .

هذا ما يذكره علماء الفن في تعدد النزول وتكرره ، ولا أرى لهذا الرأي وجها [ ص: 87 ] مستساغا ، حيث لا تتضح الحكمة من تكرار النزول . وإنما أرى أن الروايات المتعددة في سبب النزول ولا يمكن الجمع بينها يتأتى فيها الترجيح . فالروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين . . . الآية ، ترجح فيها الرواية الأولى على الروايتين الأخيرتين ، لأنها وردت في الصحيحين دونهما ، وحسبك برواية الشيخين قوة . فالراجح أن الآية نزلت في أبي طالب . وكذلك الشأن في الروايات التي وردت في سبب نزول خواتيم سورة النحل ، فإنها ليست في درجة سواء . والأخذ بأرجحها أولى من القول بتعدد النزول وتكرره .

والخلاصة . . أن سبب النزول إذا تعدد : فإما أن يكون الجميع غير صريح ، وإما أن يكون الجميع صريحا ، وإما أن يكون بعضه غير صريح وبعضه صريحا ، فإن كان الجميع غير صريح في السببية فلا ضرر حيث يحمل على التفسير والدخول في الآية " أ " وإن كان بعضه غير صريح وبعضه الآخر صريحا فالمعتمد هو الصريح " ب " وإن كان الجميع صريحا فلا يخلو ، إما أن يكون أحدهما صحيحا أو الجميع صحيحا ، فإن كان أحدهما صحيحا دون الآخر فالصحيح هو المعتمد " جـ " وإن كان الجميع صحيحا فالترجيح إن أمكن " د " وإلا فالجمع إن أمكن " هـ " وإلا حمل على تعدد النزول وتكرره " و " وفي هذا القسم الأخير مقال ، وفي النفس منه شيء .

"

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث