الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ذكر نقط ما اجتمع فيه ألفان فحذفت إحداهما اختصارا

[ ص: 153 ] باب

ذكر نقط ما اجتمع فيه ألفان ، فحذفت إحداهما اختصارا

اعلم أن ( يا ) التي للنداء ، و ( ها ) التي للتنبيه إذا اتصلتا بكلمة أولها همزة ؛ فإن رسم المصاحف جاء بحذف الألف من آخرهما ، ووصل الياء والهاء بتلك الكلمة التي همزتها مبتدأة ، فصار ذلك كلمة واحدة في الخط ، وهو في الأصل والتقدير كلمتان . وإنما حذفت الألف من آخر الكلمة الأولى من حيث وصلت الكلمتان ، وصارتا بذلك كالكلمة الواحدة التي لا تنفصل . فكما لا يجمع بين ألفين في الرسم في كلمة ؛ كراهة لتوالي صورتين متفقتين ، كذلك لا يجمع أيضا بينهما فيما صار بالوصل مثلها لذلك .

وقال بعض النحويين : إنما لم يجمع بين ألفين في الرسم من حيث لم يجمع بينهما في اللفظ .

فأما ( يا ) التي للنداء فنحو قوله : " يأيها الناس " ، و " يأهل يثرب " ، و " يأبت " ، و " يإبراهيم " ، و " يأخت هارون " ، و " يأولي الألباب " ، [ ص: 154 ] و " يأيتها النفس " ، و " يئادم " وشبهه .

وأما ( ها ) التي للتنبيه فنحو قوله : " هأنتم " ، و هؤلاء حيث وقعا .

وقد زعم أحمد بن يحيى ثعلب وموافقوه أن المحذوفة من إحدى الألفين في الرسم في هذا الضرب هي الهمزة ، وأن الثابتة فيه منهما هي الألف الساكنة . وليس ذلك بالوجه . وذلك من جهات أربع :

إحداهن أن ثعلبا وموافقيه قد أجمعوا معنا على أن المحذوف من الرسم تخفيفا في نحو قوله : " يرب " ، و يقوم ، و " ينوح " ، و هذا ، و هذان ، و هذه ، و " هتين " ، و أهكذا ، وشبهه من المنادى والتنبيه من الأسماء هو الألف الساكنة لا غير ؛ لعدم سواها في ذلك . فكما حذفت هاهنا بإجماع ، كذلك يجب أن تحذف هناك ، لا سيما وقد دخلت فيه خاصة على ما هو مثلها في الصورة ، وهو الهمزة .

[ ص: 155 ] والثانية أن الأولى وقعت طرفا ، والتغيير بالحذف وغيره أكثر ما يستعمل فيه . والثانية وقعت ابتداء ، والمبتدأ لا يحذف .

والثالثة أن الأولى ساكنة ، والساكن قد يغير كثيرا بالحذف وغيره . والثانية متحركة ، والمتحرك لا يحذف ، ولا تغير صورته .

والرابعة أن التغيير في الساكنين بالحذف والتحريك ، وفي المثلين إذا أدغم أحدهما في الآخر إنما يلحق الحرف الأول منهما دون الثاني . فكذا يجب أن تكون الألف المغيرة بالحذف من إحدى الألفين ، فيما تقدم ، هي الأولى دون الثانية .

وإلى ذلك ذهب الكسائي وغيره من النحويين ، وبه أقول .

فإذا نقط هذا الضرب على ما ذهبنا إليه ، وأوضحنا صحته ؛ جعلت الهمزة نقطة بالصفراء في الألف المصورة ؛ لأنها صورتها ، وجعلت حركتها نقطة بالحمراء من فوقها إن كانت مفتوحة ، ومن أسفلها إن كانت مكسورة ، ومن أمامها إن كانت مضمومة . ورسمت ألف بالحمراء بين الياء والهاء ، وبين تلك الألف . وإن شاء الناقط لم يرسمها ، وجعل مطة في موضعها ، على قراءة من جعل المنفصل كالمتصل في حروف المد مع الهمزة .

[ ص: 156 ] فأما قوله : " يئادم " حيث وقع ، فمرسوم في كل المصاحف بألف واحدة بين الياء والدال ، وهي الألف المبدلة من همزة فاء الفعل الساكنة ، لا التي هي همزة محققة في أول الكلمة . وذلك من حيث كانت المبدلة هي الثابتة في الرسم ، والمحققة المبتدأة هي المحذوفة فيه ، في " ءادم " ، و " ءازر " ، و " ءامن " ، و " ءاتى المال " وشبه ذلك من الأسماء والأفعال ؛ لكون الأولى زائدة في ذلك ، وكون الثانية أصلية فيه .

فإذا نقط ذلك جعلت الهمزة نقطة بالصفراء ، وحركتها عليها قبل الألف المصورة في البياض ، ورسم بعد الياء ألف بالحمراء ، وجعلت مطة في موضعها .

* * *

وأما قوله : هؤلاء حيث وقع ، فمرسوم أيضا في جميع المصاحف بواو بعد الهاء من غير ألف بعدها ، ولا قبل الواو . وذلك من حيث وصلت الكلمتان ، وجعلتا كلمة واحدة تخفيفا . فلذلك حذفوا الألف التي هي آخر الكلمة الأولى . وحذفوا الألف التي هي أول الكلمة الثانية ، لما كانت الواو المصورة بعدها للفرق أو لبيان الهمزة ، تكفي منها ، وتقوم مقامها ، إذ هي من جنس حركتها ، لا سيما وقد صارت بالوصل كالمتوسطة التي تصور في حال انضمامها واوا ، سواء أريد تحقيقها أو تسهيلها . وزالت بذلك صورة ما يوجب إلحاق واو فيه ، ليفرق بها بين المشتبهين في الصورة .

[ ص: 157 ] فإذا نقط ذلك على هذا المذهب جعلت الهمزة نقطة بالصفراء ، وحركتها نقطة بالحمراء أمامها ، في الواو نفسها . ورسمت ألف بالحمراء بعد الهاء . وإن شاء الناقط لم يرسمها ، وجعل في موضعها مطة .

وجائز أن تكون الواو في ذلك ليست بصورة للهمزة ، لكنها التي للفرق بين إلى و أولي . وهو مذهب النحويين .

فإذا نقط ذلك على هذا المذهب رسم بعد الهاء ألف بالحمراء . ولم يكن بد من ذلك ؛ لأنها صورة للهمزة التي هي أول الكلمة . وجعلت الهمزة نقطة بالصفراء في تلك الألف ، وحركتها أمامها . وجعل على الواو المصورة دارة صغرى ؛ علامة لزيادتها ، وأنها غير ملفوظ بها . ولا يجوز أن يرسم قبل تلك الألف التي هي صورة للهمزة ألف أخرى ، فتتوالى بذلك ألفان . وذلك مرفوض في الكتابة ، غير مستعمل في الرسم .

* * *

وأما قوله : " ترءا الجمعان " في سورة ( الشعراء ) فرسم في جميع المصاحف أيضا بألف واحدة .

فتحتمل تلك الألف المرسومة أن تكون ألف البناء التي من مثال "تفاعل"، وأن تكون المحذوفة التي هي لام من الفعل ؛ لأن الأصل في هذه الكلمة " تراءي " . ومثل ذلك من السالم ."تضارب" و "تقاتل" و "تشاتم" وشبهه . فلما تحركت الياء التي هي لام ، وانفتح ما قبلها انقلبت ألفا ، فصار " تراءا " ، ووقعت الهمزة بين ألفين : ألف البناء ، والألف [ ص: 158 ] المنقلبة . والهمزة - لخفائها ، وبعد مخرجها ، واستغنائها عن الصورة - ليست بفاصل قوي . فكأن الألفين قد اجتمعتا متواليتين ، فحذفت إحداهما اختصارا .

وكانت الثانية منهما أولى بالحذف ؛ إذ لم يكن منه بد ، من حيث لم يجمع بين صورتين متفقتين في الرسم ، كراهة للجمع بينهما ، واكتفاء بالواحدة منهما ، من ثلاثة أوجه :

أحدها : وقوعها في الطرف الذي هو موضع التغيير بالحذف وغيره .

والثاني : سقوطها من اللفظ في حال الوصل ؛ لسكونها ، وسكون أول ما توصل به ، وهو اللام من الجمعان . فكما لزمها السقوط من اللفظ في حال الوصل ، كذلك أسقطت من الرسم . وذلك من حيث عاملوا في كثير من الكتابة اللفظ والوصل ، دون الأصل والقطع ، ألا ترى أنهم لذلك حذفوا الألف والياء والواو في نحو قوله : أيه المؤمنون ، و وسوف يؤت الله ، و " يدع الإنسان " ، وشبهه ، لما سقطن من اللفظ ، لسكونهن وسكون ما بعدهن . وبنوا الخط على ذلك ، فأسقطوهن منه . فكما عومل اللفظ في هذه الحروف ، وبني الخط عليه فيهن ، كذلك عومل أيضا فيما تقدم ، وبني عليه فيه .

والثالث : كون الأولى داخلة لمعنى لا بد من تأديته ، وهو بناء " تفاعل " الذي يخص به ، إذا تقدم الاثنان والجماعة . فوجب أن تكون هي [ ص: 159 ] المرسومة دون الأخرى ، إذ برسمها وثباتها يتأدى معناها الذي جاءت لأجله ، وبحذفها وسقوطها يختل .

وتحتمل تلك الألف أن تكون الألف المنقلبة من لام الفعل ، وأن تكون المحذوفة ألف البناء . وذلك من ثلاثة أوجه أيضا :

أحدها : أن المنقلبة من نفس الكلمة ، إذ هي لام منها ، وألف البناء زائدة . وإثبات الأصلي أولى من إثبات الزائد ، إذا لزم حذف أحدهما .

والثاني أنهما معا ساكنتان ، والهمزة بينهما ، لما ذكرناه من حالها ، ليست تمنع من التقائهما . والساكنان إذا التقيا معا أعل بالحذف أو بالتحريك ، الأول منهما دون الثاني ، إذ بتغيير الأول يتوصل إلى النطق بالثاني . وذلك ما لم تمنع من تغييره علة . وهي معدومة هاهنا . فوجب أن تكون الثابتة الألف المنقلبة ، والمحذوفة ألف البناء ، لذلك .

والثالث أن الحرف الذي انقلبت الألف الثانية عنه - وهو الياء - ، كان متحركا فأعل بالقلب . فإن حذف المنقلب عنه لحق لام الفعل إعلالان تغيير ثم حذف . وإذا لحقها ذلك لم يبق لها أثر من رسم ولا لفظ يدل عليها . فوجب أن نثبت رسما لذلك ؛ ليعلم بذلك أنها ثابتة مع عدم الساكن ، وأنها إنما أعلت بالقلب لا غير .

وهذا المذهب عندي في ذلك أوجه ، وهو الذي أختار ، وبه أنقط .

* * *

[ ص: 160 ] فإن قيل : من أين اخترت هذا المذهب ، ورسم الألف في آخر هذه الكلمة يدل على أنها ليست المنقلبة من لام الفعل ، ويحقق أنها التي للبناء . وذلك من حيث كانت المنقلبة لا ترسم في نظائر ذلك ، مما لامه ياء في الأصل من الأفعال ، إلا ياء . وكانت التي للبناء لا ترسم إلا ألفا ؛ إذ هي مجهولة لا يعلم لها أصل في ياء ولا واو ؟

قيل : ليس الأمر كما ذكرته ، ولا على ما ظننته وقدرته . وذلك أن الألف المنقلبة لو رسمت هاهنا ياء على الأصل لالتبست صورة الفعل الماضي المتقدم الذي على مثال " تفاعل " الذي تلحقه الهمزة ، وهو للاثنين والجماعة ، بصورة الفعل المستقبل الذي على مثال تفعل الذي لا همزة فيه ، وهو للواحد فقط ، نحو قوله : وترى الأرض ، و " ترى الناس " ، وشبهه . فرسمت اللام هاهنا ألفا ، ليفرق بذلك بين صورة الفعلين من الماضي والمستقبل ، ويرتفع الالتباس به في معرفتهما .

وأيضا فإنها لو رسمت ياء للزم أن ترسم ألف البناء قبلها ضرورة ؛ لعدم ما يوجب حذفها بذلك ، وهو اجتماع صورتين متفقتين ، من حيث غيرت الثانية ، وصورت ياء . ولم يجئ الرسم بذلك .

وأيضا فإن رسم الألف في آخر هذه الكلمة لا يمنع أن تكون المنقلبة ، من حيث رسمت كذلك بإجماع من كتاب المصاحف ، من السلف والخلف في [ ص: 161 ] قوله : " الأقصا الذي " ، و " من أقصا المدينة " ، و " طغا الماء " في نظائر لذلك ؛ لامتناع إمالتها فيه في حال الوصل ؛ لأجل الساكن الذي لقيها . وقد حدثنا محمد بن أحمد بن علي البغدادي ، قال : نا أبو بكر بن الأنباري ، قال : نا إدريس بن عبد الكريم ، قال : نا خلف بن هشام ، قال : سمعت الكسائي يقول : إنما كتبت - يعني هذه الحروف - بالألف ؛ للألف واللام اللتين بعد هذه الحروف . قال أبو عمرو : وذلك من حيث منعتاها من الإمالة ؛ لسقوطها من اللفظ وعدمها في حال الوصل ، لأجلهما .

فثبت بجميع ما قدمناه صحة ما ذهبنا إليه ، واخترناه ، من كون الألف المرسومة المنقلبة ، لا التي للبناء . وبالله التوفيق .

* * *

فإذا نقطت هذه الكلمة على الوجه الأول الذي الألف المرسومة فيه للبناء جعلت الهمزة نقطة بالصفراء ، وحركتها من فوقها بالحمراء ، بعد تلك الألف في السطر . ورسمت بعدها ألف بالحمراء ؛ دلالة على أن بعد الهمزة ألفا ثابتة في حال الانفصال ، ساقطة في حال الاتصال . وصورة ذلك كما ترى : " تراء الجمعان " .

وإذا نقطت على الوجه الثاني الذي الألف المرسومة فيه المنقلبة جعلت الهمزة ، وحركتها عليها ، قبل تلك الألف ، بينها وبين الراء . ورسم بعد الراء بينها وبين الهمزة ألف بالحمراء ، دلالة على ثبوتها بينهما في كل حال . وإن شاء الناقط لم يرسمها ، وجعل في موضعها مطة . ورسمها أحسن من حيث رسمها [ ص: 162 ] السلف في نحو : " العلمين " ، و " الفاسقين " ، و " الكافرين " وشبهه . وصورة ذلك كما ترى : " ترءا الجمعان " .

* * *

وأما قوله في ( الزخرف ) : حتى إذا جاءنا فرسم في جميع المصاحف بألف واحدة . فإن كان مرسوما على قراءة التوحيد والإفراد فذلك حقيقة رسمه ، وإن كان مرسوما على قراءة التثنية فقد حذفت منه ألف واحدة .

والمحذوفة تحتمل أن تكون المنقلبة عن عين الفعل في جاء ، والأصل " جيأ " على مثال فعل . فلما تحركت الياء ، وانفتح ما قبلها ؛ انقلبت ألفا . ثم أتت ألف التثنية بعدها ، فالتقتا معا ؛ لأن الهمزة الحائلة بينهما التي هي لام ليست بفاصل قوي لخفائها وبعد مخرجها ، ولأنها لا صورة لها . فلما التقتا في الرسم وجب حذف إحداهما . فحذفت التي هي عين لكونها أولهما . وأثبتت التي هي علامة الاثنين لكونها ثانية ، ولأن المعنى الذي جاءت لأجله يختل بحذفها .

فإذا نقط ذلك على هذا الوجه جعلت الهمزة نقطة بالصفراء ، وحركتها عليها ، قبل الألف السوداء . ورسم قبل الهمزة وبعد الجيم ألف بالحمراء . وصورة نقط ذلك على هذا الوجه كما ترى : " جئانا " .

[ ص: 163 ] وتحتمل المحذوفة أن تكون التي هي علامة الاثنين ، من حيث كانت زائدة ، وكان الثقل والكراهة إنما وجبا لأجلها . فلذلك حذفت الزائدة ، وأثبتت الأصلية . وذلك الوجه عندي . لأن عين الفعل الذي هو من سنخ الحرف قد أعل بالقلب ، فلم يكن ليعل بالحذف ، فلا يبقى له أثر في الرسم .

فإذا نقط ذلك على هذا الوجه جعلت الهمزة نقطة بالصفراء ، وحركتها عليها ، بعد الألف السوداء . وترسم بالحمراء ألف بعد الهمزة ، لا بد من ذلك . وصورة نقط ذلك على هذا الوجه كما ترى : جاءنا .

* * *

وأما قوله في ( يونس ) : " أن تبوءا لقومكما " فإنه مرسوم بألف واحدة . وتحتمل أن تكون صورة الهمزة التي هي لام ، وأن تكون ألف التثنية ؛ لما ذكرناه . والأوجه هاهنا أن تكون ألف التثنية ؛ لأن الهمزة قد تستغني عن الصورة ، فلا ترسم خطا . وذلك من حيث كانت حرفا من الحروف . والألف الساكنة ليست كذلك .

فإذا نقط ذلك على هذا الوجه جعلت الهمزة بالصفراء ، وحركتها عليها نقطة بالحمراء ، قبل الألف السوداء في السطر . وصورة ذلك كما ترى : " تبوءا " .

وعلى الوجه الآخر تجعل الهمزة وحركتها في الألف . وترسم بعد الألف ألف أخرى بالحمراء ، لا بد من ذلك ؛ ليتأدى اللفظ ، ويتحقق المعنى . وصورة ذلك كما ترى : " تبوأا " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث