الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان فدية الصوم الواجب

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل )

في بيان فدية الصوم الواجب وأنها تارة تجامع القضاء وتارة تنفرد عنه ( من فاته شيء من رمضان فمات قبل إمكان القضاء ) بأن مات في رمضان أو قبل غروب ثاني العيد أو استمر به نحو حيض أو مرض من قبيل غروبه أيضا [ ص: 435 ] أو سفره المباح من قبل فجره إلى موته ( فلا تدارك له ) أي : لفائت بفدية ولا قضاء لعدم تقصيره ( ولا إثم ) كما لو لم يتمكن من الحج إلى الموت هذا إن فات بعذر وإلا أثم وتدارك عنه وليه بفدية أو صوم ( وإن مات ) الحر ومثله القن في الإثم كما هو ظاهر لا التدارك ؛ لأنه لا علقة بينه وبين أقاربه حتى ينوبوا عنه نعم لو قيل في حر مات وله قريب رقيق له الصوم عنه لم يبعد ؛ لأن الميت أهل للإنابة عنه ( بعد التمكن ) وقد فات بعذر أو غيره أثم كما أفهمه المتن وصرح به جمع متأخرون وأجروا ذلك في كل عبادة وجب قضاؤها فأخره مع التمكن إلى أن مات قبل الفعل وإن ظن السلامة فيعصي من آخر زمن الإمكان كالحج ؛ لأنه لما لم يعلم الآخر كان التأخير له مشروطا بسلامة العاقبة بخلاف المؤقت المعلوم الطرفين لا إثم فيه بالتأخير عن زمن إمكان أدائه .

و ( لم يصح عنه وليه في الجديد ) ؛ لأن الصوم عبادة بدنية لا تقبل نيابة في الحياة فكذا بعد الموت كالصلاة وخرج بمات من عجز في حياته بمرض أو غيره فإنه لا يصام عنه ما دام حيا ( بل يخرج من تركته لكل يوم مد طعام ) مما يجزئ فطره لخبر فيه موقوف على ابن عمر رضي الله عنهما وقضية قوله من تركته أنه لا يجوز للأجنبي الإطعام عنه [ ص: 436 ] وهو متجه ؛ لأنه بدل عن بدني وبه يفرق بينه وبين الحج وكذا يقال في الإطعام في الأنواع الآتية ومر أنه لا يجوز إخراج الفطرة بلا إذن فيأتي ذلك في الكفارة فما هنا كذلك ويؤخذ مما مر في الفطرة أن المراد هنا بالبلد التي يعتبر غالب قوتها المحل الذي هو به عند أول مخاطبته بالقضاء .

( وكذا النذر والكفارة ) بأنواعها أي : صومهما فإذا مات قبل تمكنه من قضائه فلا تدارك ولا إثم إن فات بعذر أو بعده فات بعذر أم لا وجب لكل يوم مد يخرج عنهما والقديم أنه لا يتعين الإطعام فيمن مات مسلما بل يجوز للولي أيضا أن يصوم عنه بل في شرح مسلم أنه يسن للخبر المتفق عليه { من مات وعليه صوم صام عنه وليه } ثم إن خلف تركة وجب أحدهما وإلا ندب وظاهر قول شرح مسلم يسن أنه أفضل من الإطعام وهو بعيد كيف وفي إجزائه الخلاف القوي والإطعام لا خلاف فيه [ ص: 437 ] فالوجه أن الإطعام أفضل منه ( قلت القديم هنا أظهر ) وقد نص عليه في الجديد أيضا فقال إن ثبت الحديث قلت به وقد ثبت من غير معارض وبه يندفع الاعتراض على المصنف بأنه كان ينبغي له اختياره من جهة الدليل فإن المذهب هو الجديد .

وفي الروضة المشهور في المذهب تصحيح الجديد وذهب جماعة من محققي أصحابنا إلى تصحيح القديم وهو الصواب بل ينبغي الجزم به للأحاديث الصحيحة وليس للجديد حجة من السنة والخبر الوارد بالإطعام ضعيف ا هـ وانتصر له جماعة بأنه القياس وبه أفتى أصحابنا فتعين حمل الصيام في الخبر على بدله وهو الإطعام كما سمي في الخبر التراب وضوءا لكونه بدله ويدل له أن عائشة قائلة بالإطعام مع كونها روايته وفيه ما فيه ( والولي كل قريب على المختار ) لخبر مسلم { صومي عن أمك لمن قالت له أمي ماتت وعليها صوم نذر } [ ص: 438 ] وهو يبطل احتمال أن يراد به ولي المال أو ولي العصوبة ولو كان عليه ثلاثون يوما أو أكثر فصامها أقاربه أي أو مأذونو الميت أو قريبه في يوم واحد أجزأت كما بحثه في المجموع وقاسه غيره على ما لو كان عليه حج إسلام وحج نذر وحج قضاء فاستأجر عنه ثلاثة كلا لواحدة في سنة واحدة .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل في بيان فدية الصوم الواجب إلخ )

. ( قوله في المتن من فاته ) قال في شرح المنهج من الأحرار ا هـ .

وفي الناشري في فدية التأخير الآتية ما نصه تنبيه هذا في الحر أما العبد إذا فاته صوم أو لزمه قضاء رمضان وأخر القضاء إلى رمضان آخر فهل تلزمه الكفارة مع القضاء أم لا فإن قلتم تلزمه فمن أين يكفر وإن قلتم لا تلزمه فهل يكون قياسا على العبد إذا جامع في نهار رمضان فإنه يكفر بالصيام دون العتق والإطعام قال الأصبحي هذه فدية مالية لا مدخل للصوم فيها بحال والعبد ليس من أهلها فلا تجب عليه قبل العتق نص عليه الشافعي في شرحه في نظير لها فإن عتق العبد ففي وجوبها عليه خلاف مرتب على الشيخ إذا عجز عن الصوم وقلنا تلزمه الفدية وكان معسرا فأيسر وأولى بأن لا تجب على العبد ؛ لأنه لم يكن من أهل الفدية عند الإفطار ا هـ أي : بخلاف المعسر فاندفع ما قد يقال العبرة في الكفارة بوقت الأداء ؛ لأن ذاك إذا كان من أهل الوجوب وقته لكن اختلف حاله فتأمله وقضية ذلك عدم الوجوب عليه لا قبل العتق ولا بعده لا في مسألة العجز لنحو هرم ولا في مسألة التأخير إلى رمضان آخر بل ولا في مسألة الموت قبل إمكان القضاء ولا في مسألة المرضعة إذا كانت رقيقة نعم في مسألة الموت لا يبعد أن لسيده بل ووليه الصوم والإطعام عنه فليتأمل م ر .

( قوله من قبيل غروبه ) في [ ص: 435 ] التقييد بقبيل نظر بل يكفي مطلق القبلية .

( قوله أو سفره المباح من قبل فجره ) قال في شرح الروض فالمراد بالإمكان هنا عدم العذر .

( قوله من قبل فجره ) ينبغي وكذا بعده بالنسبة لغير ذلك اليوم .

( قوله وإلا أثم ) أي ولو رقيقا كما هو ظاهر ( قوله وتدارك عنه ) أي : في الحر دون غيره أخذا مما يأتي آنفا .

( قوله لا التدارك ) لا يبعد أن محله إذا لم يتمكن بعد عتقه وإلا فينبغي التدارك ؛ لأنه من أهل الوجوب في الوقت وبعده على أنه في الشق الأول قد يقال هلا جاز لقريبه أن يتدارك عنه بنفسه أو ماله سيما والرق زال بالموت والوجه أنه يجوز له ذلك .

( قوله أثم ) قضيته الإثم إذا تمكن وقد فات بعذر قال في العباب فرع لا يصام عن حي وإن أيس منه قال في شرحه قال [ ص: 436 ] الزركشي ولا ينافي ذلك خلافا لجمع قول الإمام وتبعه الشيخان فيمن نذر صوم الدهر وأفطر متعديا الظاهر أن وليه يصوم عنه في حياته ا هـ .

( قوله : لأنه بدل عن بدني ) أي : محض حتى تظهر مفارقة الحج ؛ لأنه بدني أيضا إلا أن فيه شائبة مال وأما أن المراد أن هذا بدل بدني والحج ليس بدلا كذلك بل هو نفس البدني فلا يصح ؛ لأنه إذا امتنع البدل لكونه بدل بدني فامتناع البدني الأصلي أولى .

( قوله فما هنا كذلك ) قال في شرح العباب وقول القاضي للأجنبي الاستقلال بالإطعام مبني على الضعيف أن له الاستقلال بالصيام ا هـ .

وفي شرح الإرشاد وهل له أن يستقل بالإطعام ؛ لأنه محض مال كالدين أو يفرق بأنه هنا بدل عما لا يستقل به الأقرب لكلامهم الثاني ا هـ وقضية ذلك أن للأجنبي الإطعام بالإذن كالصيام بالإذن وإن له الاستقلال بالإطعام عن الميت في كفارة اليمين ( قوله فإذا مات قبل تمكنه من قضائه ) لا يقال القضاء إن تصور في النذر بأن ينذر الصوم في وقت معين فيفوت لا يتصور في الكفارة ؛ لأنا نقول بل يتصور فيها في نحو كفارة المتمتع ولهذا قال في المتن في صومها الآتي في الحج ولو فاته الثلاثة في الحج فالأظهر أنه يفرق في قضائها بينها وبين السبعة وسيعلم من ثم أن صوم المتمتع لا يخلفه إطعام ثم رأيت في شرح العباب في فصل الكفارة هنا لا يتصور القضاء في كفارة إلا كفارة الظهار إذا فعلت بعد العود والوطء ؛ لأن وقت أدائها بينهما ذكره البندنيجي ، والروياني ا هـ كلام شرح العباب وفيه نظر ( قوله أو بعده إلخ ) ينبغي أخذا مما تقدم أو قبله وفات بلا عذر .

( قوله والقديم أنه لا يتعين الإطعام فيمن مات مسلما ) خرج من مات مرتدا قال الناشري وهذا فيمن مات مسلما أما من ارتد ثم مات فلا يصام عنه بل يتعين الإطعام ا هـ .

( قوله والقديم أنه لا يتعين الإطعام ) أي فالواجب على الولي مع وجود التركة أحد [ ص: 437 ] الأمرين الصوم أو الإطعام .

( قوله قلت القديم هنا أظهر ) ومحل الخلاف فيمن مات مسلما أما من مات مرتدا فيتعين الإطعام عنه قطعا كذا قيل وهو مشكل بما يأتي أن من مات مرتدا لا يحج عنه لئلا يلزم وقوع الحج له وهو ممتنع كذا في شرح العباب أي والإطعام بدل الصوم فيلزم وقوع الصوم له وهو ممتنع .

( قوله قلت القديم هنا أظهر إلخ ) في شرح الإرشاد ولو تعدد الورثة ولم يصم عنه قريب وزعت عليهم الأمداد على قدر إرثهم ثم من خصه شيء له إخراجه والصوم عنه ويجبر الكسر ا هـ وفيه أمران الأول أنه سيأتي أنه لا يجوز إخراج مد وبعض مد للفقير فينبغي إذا أراد أحدهم إخراج ما لزمه وفيه كسران يضم إلى كسره كسر آخر منهم ليجزئ الإخراج والثاني أنه لو صام أحدهم وجبر الكسر فينبغي أن يسقط عن رفيقه مقابل كسره فتأمله .

( قوله فتعين حمل الصيام ) التعين ممنوع ولو قال بعض الورثة أنا أصوم وآخذ الأجرة جاز شرح م ر ولو قال بعض الورثة نطعم وبعضهم نصوم أجيب الأولون كما رجحه الزركشي وابن العماد ؛ لأن إجزاء الإطعام مجمع عليه ولو تعدد الورثة ولم يصم عنه قريب وزعت عليهم الأمداد على قدر إرثهم ثم من خصه شيء له إخراجه والصوم عنه ويجبر الكسر نعم لو كان الواجب يوما لم يجز تبعيض واجبه بل لا نتصور صوما وإطعاما ؛ لأنه بمنزلة كفارة واحدة وقد يقال بل كفارة واحدة لا بمنزلتها ولو أذنوا لمن يكفر ويرجع عليهم فإن فدى رجع أو صام تأتى فيه الوجهان قوله : لأنه بمنزلة كفارة واحدة إلخ يؤخذ منه أن نحو كفارة الظهار لا يجوز تبعيضها بصوم بعض وإطعام بعض ؛ لأنها كفارة واحدة فيما لو كفر المحلوف عليه بالصوم وقلنا له الرجوع على الحالف فقيل [ ص: 438 ] يرجع عليه بما قابل الأمداد من الصوم وقيل لا شرح الإرشاد .

( قوله أجزأت ) قال في شرح الإرشاد قيل ومحل الجواز في صوم لم يجب فيه التتابع ويرد بأن التتابع إنما وجب في حق الميت لمعنى لم يوجد في حق القريب هو التزامه له زيادة على أصل الصوم فسقط بموته ا هـ فليتأمل قال في شرح الإرشاد عن الزركشي إن الوارث مخير بين إخراج الفدية والصوم والاستئجار والولي غير الوارث مخير بين الأخيرين فقط ا هـ .

وفي شرح العباب وظاهر قول المصنف ولقريبه إلخ أنه لا يلزم الولي صيام وهو ما نقل ابن الرفعة الاتفاق عليه ومحله إن كان غير وارث أو حيث لا تركة فإن كان وارثا وثم تركة لزمه إما الإطعام وإما الصوم بنفسه أو مأذونه بأجرة أو غيرها ا هـ وقضية كلام الرافعي استواء مأذون الميت والقريب فلا يقدم أحدهما على الآخر شرح م ر .

( قوله فاستأجر عنه ثلاثة كل لواحدة في سنة ) بقي ما لو وجب التفريق كصوم التمتع فهل يجب التفريق على الولي أو يسقط فيه نظر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث