الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع الجهر بالقراءة في كسوف القمر والإسرار في كسوف الشمس

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وهي ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان والسنة أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو قدرها ، ثم يركع ويسبح بقدر مائة آية ، ثم يرفع ويقرأ فاتحة الكتاب ، ويقرأ بقدر مائتي آية ، ثم يركع ويسبح بقدر سبعين آية ثم يسجد كما يسجد في غيرها وقال أبو العباس : يطيل السجود كما يطيل الركوع ، وليس بشيء ; لأن الشافعي رحمه الله لم يذكر ذلك ، ولا نقل ذلك في خبر ، ولو كان قد أطال لنقل كما نقل في القراءة والركوع ، ثم يصلي الركعة الثانية فيقرأ بعد الفاتحة قدر مائة آية وخمسين آية ثم يركع بقدر سبعين آية ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة آية ، ثم يركع بقدر خمسين آية ثم يسجد والدليل عليه ما روى ابن عباس قال : { كسفت الشمس فصلى النبي والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة ; ثم ركع ركوعا طويلا ثم قام فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد وانصرف ، وقد تجلت الشمس } ، والسنة أن يسر بالقراءة في كسوف الشمس لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : " { كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فصلى فقمت إلى جانبه فلم أسمع له قراءة } " ولأنها صلاة نهار لها نظير بالليل ، فلم يجهر فيها بالقراءة كالظهر ، ويجهر في كسوف القمر لأنها صلاة ليل ليس لها نظير بالنهار فسن الجهر كالعشاء )

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس الأول رواه البخاري ومسلم ، وحديثه الثاني رواه البيهقي في سننه بمعناه بإسناد ضعيف فيه ابن لهيعة ، واحتج الشافعي والبيهقي وأصحابنا في الإسرار بقراءة كسوف الشمس بحديث ابن عباس الأول لقوله " قياما طويلا نحوا من سورة البقرة " قالوا : وهذا دليل على أنه لم يسمعه ، لأنه لو سمعه لم يقدره بغيره ، وروى الترمذي بإسناده الصحيح عن سمرة قال " { صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم في كسوف لا نسمع له صوتا } " قال الترمذي : حديث حسن صحيح وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم " { جهر في صلاة الخسوف بقراءته } " رواه البخاري ومسلم في صحيحهما ، فهذان الحديثان الصحيحان [ ص: 53 ] يجمع بينهما بأن الإسرار في كسوف الشمس ، والجهر في كسوف القمر ، وهذا مذهبنا ( وقوله ) ( لأنها صلاة نهار لها نظير بالليل ) احتراز من صلاة الجمعة والعيد ( وقوله ) صلاة ليل لها نظير بالنهار ، قال القلعي : هو احتراز من الوتر ، وهو صحيح كما قال ، ولا يقال : قد قال المصنف في الوتر ولأنه يجهر في الثالثة ، فهذا يدل على أنه يجهر في الوتر لأن مراده إذا صلاها جماعة بعد التراويح ( وقوله ) ( وركوعان وسجودان ) قد يوهم أنها أربع سجدات لكونه قال : سجودان ومعلوم أن السجود في كل سجدة سجدتان فالسجودان أربع سجدات وكان الأحسن أن يقول : وسجدتان وهذا مراده

( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : أقل صلاة الكسوف أن يحرم بنية صلاة الكسوف ثم يقرأ الفاتحة ثم يركع ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع ثانيا ، ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد سجدتين فهذه ركعة ، ثم يصلي ركعة ثانية كذلك فهي ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان كغيرها فلو تمادى الكسوف فهل يزيد ركوعا ثالثا فأكثر ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يزيد ثالثا ورابعا وخامسا وأكثر حتى ينجلي الكسوف قاله جماعة من أئمة أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث منهم ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وأبو بكر الصبغي من أصحابنا - وهو بكسر الصاد وإسكان الباء الموحدة وبالغين المعجمة وغيره ، للأحاديث الصحيحة { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين في كل ركعة ثلاثة ركوعات } " وفي رواية " { في كل ركعة أربعة ركوعات } " رواهما مسلم ، وجاء في غير مسلم زيادة على هذا ولا محمل للجمع بين الروايات إلا الحمل على الزيادة لتأدي الكسوف ( والوجه الثاني ) وهو الصحيح عند أصحابنا " لا يجوز الزيادة على ركوعين " وبهذا قطع جمهور الأصحاب ، وهو ظاهر نصوص الشافعي قالوا : وروايات الركوعين أشهر وأصح فوجب تقديمها ، وقياس الصلوات أن لا تقبل الزيادة والله أعلم

[ ص: 54 ] ولو كان في القيام الأول فانجلى الكسوف لم تبطل صلاته وله أن يتمها على هيئتها المشروعة بلا خلاف ، وهل له أن يقتصر على ركوع واحد ؟ وقيام واحد في كل ركعة ؟ فيه وجهان بناء على الوجهين في جواز الزيادة للتمادي ، إن جوزناها جاز النقصان بحسب مدة الكسوف وإلا فلا ، ولو سلم من صلاة الكسوف - والكسوف باق - فهل له استفتاح صلاة الكسوف مرة أخرى ؟ فيه وجهان خرجهما الأصحاب على جواز زيادة الركوع ( والصحيح ) المنع من الزيادة والنقص ومن استفتاح الصلاة ثانيا ، والله أعلم وأما أكمل صلاة الكسوف فأن يحرم بها ثم يأتي بدعاء الاستفتاح ثم التعوذ ثم الفاتحة ثم يقرأ البقرة أو نحوها إن لم يحسنها وأما القيام الثاني والثالث والرابع فللشافعي فيه نصان ( أحدهما ) نصه في الأم ومختصر المزني أنه يقرأ بعد الفاتحة قدر مائتي آية من سورة البقرة ، وفي الثالث قدر مائة وخمسين منها ، وفي الرابعة قدر مائة منها ( والثاني ) نصه في البويطي في الباب السابق أنه يقرأ في القيام الثاني بعد الفاتحة نحو سورة آل عمران وفي الثالث نحو سورة النساء وفي الرابع نحو المائدة ، ونص في البويطي في باب آخر بعد هذا بنحو كرابتين كنصه في الأم والمختصر فأخذ المصنف وسائر العراقيين وجماعة من غيرهم بنصه في الأم ، وأخذ جماعات من الخراسانيين بنص البويطي ، وقال المحققون ليس هذا اختلافا محققا ، بل هو للتقريب ، وهما متقاربان ، وفي استحباب التعوذ في ابتداء القراءة في القيام الثاني والثالث والرابع وجهان ، حكاهما صاحب الحاوي وغيره ، وهما الوجهان السابقان في التعوذ في الركعة الثانية وما بعدها ( أصحهما ) الاستحباب

وأما قدر مكثه في الركوع فللشافعي فيه نصان ( أحدهما ) نصه في الأم ومختصر المزني ( والموضع الثاني ) من البويطي أنه يسبح في الركوع الأول نحو مائة آية من سورة البقرة ، وفي الثاني قدر ثلثي ركوعه الأول ، وفي الثالث قدر سبعين آية منها ، وفي الرابع قدر خمسين ، ونص في الموضع الأول من البويطي أنه يسبح في كل ركوع نحو قراءته [ ص: 55 ] وأما ) كلام الأصحاب ففيه اختلاف في ضبطه ، فوقع في المهذب في الركوع الثاني من الركعة الأولى قدر سبعين آية بالسين في أوله ، وفي التنبيه تسعين آية بالتاء في أوله قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني وصاحب التقريب والغزالي والبغوي وآخرون : قدر ثمانين آية ، وقال سليم الرازي في كتابه الكفاية : خمس وثمانون آية ، وقال أبو حفص الأبهري : قدر الركوع الأول ، وهو غريب ضعيف ، والصحيح ما نص عليه الشافعي - رحمه الله

( وأما ) السجود فقد أطلق الشافعي في الأم والمختصر أنه يسجد ، ولم يذكر فيهما أنه يطوله أو يقصره ، وادعى المصنف أن الشافعي لم يذكر تطويله ، وليس كما قال ، بل نص على تطويله كما سأذكره إن شاء الله تعالى عن مختصر البويطي وغيره وفي المسألة قولان ( أشهرهما ) في المهذب لا يطول ، بل يسجد كقدر السجود في سائر الصلوات ، وهذا هو الراجح عند المصنف وجماهير الأصحاب ( والثاني ) يستحب تطويله ، وممن نقل القولين إمام الحرمين والغزالي والبغوي ، وقد نص الشافعي على تطويله في موضعين من البويطي ، فقال : يسجد سجدتين تامتين طويلتين ، يقيم في كل سجدة نحوا مما أقام في ركوعه ، هذا نصه بحروفه وقال الشافعي في جمع الجوامع : يقيم في كل سجدة نحوا مما أقام في ركوعه ، ونقل الترمذي عن الشافعي تطويل السجود ، ونقل إمام الحرمين والغزالي أنه على قدر الركوع الذي قبله

وقال الخطابي : مذهب الشافعي وإسحاق بن راهويه تطويل السجود كالركوع وقال البغوي : أحد القولين يطيل السجود ، فالسجود الأول كالركوع الأول ، والسجود الثاني كالركوع الثاني وقطع بتطويل السجود الشيخ أبو حامد والبندنيجي قال أبو عمرو بن الصلاح : هذا الذي ذكره البغوي أحسن من الإطلاق الذي في البويطي ، قال : فحصل أن الصحيح خلاف ما صححه أكثر الأصحاب ، قال : بل يتجه أن يقال : لا قول للشافعي [ ص: 56 ] غير القول بتطويل السجود لما علم من وصيته : إن صح الحديث خلاف قوله فليترك قوله وليعمل بالحديث ، فإن مذهبه الحديث هذا ما يتعلق بنقل المذهب وأما الأحاديث الواردة بتطويل السجود ( فمنها ) حديث أبي موسى الأشعري في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " { فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته يفعله في صلاته } رواه البخاري ومسلم وعن عائشة في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم الكسوف قالت " { ثم ركع فأطال الركوع ، ثم سجد فأطال السجود ، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى } " رواه البخاري ، وفي رواية عنها في البخاري " ثم سجد سجودا طويلا " وفي رواية عنها في البخاري " { فسجد سجودا طويلا ، ثم قام فقام قياما طويلا ثم ركع ركوعا طويلا ، إلى أن قالت : ثم سجد وهو دون السجود الأول } " وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال " فركع النبي صلى الله عليه وسلم " وذكر الحديث قال : وقالت عائشة " ما سجدت سجودا قط كان أطول منها " رواه البخاري ومسلم

وفي صحيح مسلم من رواية جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم " وركوعه نحو من سجوده " وفي صحيح البخاري من رواية أسماء " ثم سجد فأطال السجود ، ثم رفع ، ثم سجد فأطال السجود " وذكرت مثل ذلك في الركعة الثانية وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن { النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام في الكسوف فلم يكد يركع ، ثم ركع فلم يكد يرفع ، ثم رفع ، فلم يكد يسجد ، ثم سجد فلم يكد يرفع ، ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك } " رواه أبو داود ، وفي إسناده عطاء بن السائب وهو مختلف فيه ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، ورواه الحاكم في المستدرك من طريق آخر صحيح وقال : هو صحيح [ ص: 57 ] وعن سمرة بن جندب عن { النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم ركع كأطول ما ركع بنا قط ، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة } " رواه أبو داود بإسناد حسن فإذا عرفت هذه الأحاديث وما قدمناه من نص الشافعي في البويطي تعين القول باستحباب تطويل السجود ، وبه قال أبو العباس بن سريج وابن المنذر ، وبه جزم البندنيجي وغيره ممن ذكرنا وتابعهم على ترجيحه جماعة ، وينكر على المصنف قوله أن الشافعي لم يذكره ، وقوله لم ينقل ذلك في خبر والله أعلم

وأما الاعتدال بعد الركوع الثاني فلا يستحب تطويله بلا خلاف ، وهكذا التشهد وجلوسه لا يستحب تطويلهما بلا خلاف وأما الجلوس بين السجدتين فنقل الغزالي والرافعي وغيرهما الاتفاق على أنه لا يطوله ، وحديث ابن عمرو بن العاص يقتضي استحباب إطالته كما سبق ، وإذا قلنا بالصحيح المختار أن تطويل السجود مستحب فالمختار في قدره ما ذكره البغوي أن السجود الأول كالركوع الأول ، والسجود الثاني كالركوع الثاني ونص في البويطي أنه نحو الركوع الذي قبله ( فرع ) يستحب أن يقول في رفعه من كل ركوع : سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد إلى آخره ثبت ذلك في الصحيحين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونص عليه الشافعي في الأم ومختصر البويطي والمزني والأصحاب



( فرع ) السنة الجهر بالقراءة في كسوف القمر ، والإسرار في كسوف الشمس لما ذكره المصنف وما ضممناه إليه هذا هو المعروف في المذهب وبه قطع الأصحاب في جميع طرقهم ، ونص عليه الشافعي في الأم والمختصر وقال الخطابي : الذي يجيء على مذهب الشافعي أنه يجهر في كسوف الشمس كذا نقله الرافعي عن الخطابي ، ولم أره في كتاب الخطابي وقال ابن المنذر من أصحابنا : يستحب الجهر في كسوف الشمس ، قال وروينا ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وبه قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد بن الحسن [ ص: 58 ] في رواية وداود وقال مالك وأبو حنيفة " يسر " واحتج للجهر بحديث عائشة الذي قدمناه في أول شرح هذه المسائل ويجاب عنه بما سبق



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث