الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جامع الدين والحول

باب جامع الدين والحول

حدثنا يحيى عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع

التالي السابق


40 - باب جامع الدين والحول

بكسر الحاء وفتح الواو أي التحول للدين المدين ، وقوله تعالى : لا يبغون عنها حولا ( سورة الكهف : الآية 108 ) أي تحولا ، يقال : حال من مكانه حولا ، وعاد في حبها عودا .

- 1379 1361 ( مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مطل الغني ) القادر على أداء ما عليه ولو فقيرا .

قال عياض : المطل منع قضاء ما استحق أداؤه ، زاد القرطبي : مع التمكن من ذلك وطلب صاحب الحق حقه ، والجمهور أنه مضاف للفاعل ، وبعضهم جعله مضافا إلى المفعول ، وإن الغني هو الممطول .

عياض : وهو بعيد ، قال الأبي : وعليه فالتقدير أن يمطل بضم الياء ، فالمصدر مبني للمفعول ، وفي صحة بنائه [ ص: 485 ] كذلك خلاف في العربية انتهى .

والمعنى أنه يجب وفاء الدين ، وإن كان صاحبه غنيا ولا يكون غناه سببا لتأخيره عنه ، وإذا كان ذلك في حق الغني فالفقير أولى ، وأصل المطل المد تقول : مطلت الحديدة أمطلها مطلا إذا مددتها لتطول ، قاله ابن فارس ، وقال الأزهري : المطل المدافعة .

( ظلم ) يحرم عليه ، قال القرطبي : والظلم وضع الشيء في غير محله ، والماطل وضع المنع موضع القضاء اهـ .

وخرج بالغني المعسر فليس بظلم ؛ لأنه إنما فعل ما يجب من إنظاره ، قال سحنون وأصبغ : ترد شهادة الماطل لأنه ظلم ، وقال ابن عبد الحكم : لا ترد .

وفي الإكمال : اختلف في أنه جرحة أو حتى يكون ذلك عادة .

وفي الفتح : لفظ ( مطل ) يشعر بتقدم الطلب فيؤخذ منه أن الغني لو أخر الدفع مع عدم طلب صاحبه الحق له لم يكن ظالما ، وهو المشهور قضية كونه ظلما أنه كبيرة ، لكن قال النووي : مقتضى مذهبنا اعتبار تكراره ، ورده السبكي بأن مقتضاه عدمه ؛ لأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب ، والغصب كبيرة لا يشترط فيها التكرار ، وفيه الزجر عن المطل .

( وإذا أتبع ) بضم الهمزة وسكون الفوقية وكسر الموحدة مبنيا للمفعول على المشهور رواية ولغة ، قاله النووي وعياض ، وقول القرطبي عند الجميع مردود بقول الخطابي : أكثر المحدثين يقولونه بتشديد التاء ، والصواب التخفيف ، وقال عياض : شددها بعض المحدثين ، والوجه إسكانها يقال : تبعت فلانا بحقي أتبعه تباعة بالفتح إذا طلبته ، وأنا له تبيع بالتخفيف ، والمعنى إذا أحيل ( أحدكم ) فضمن معنى أحيل فعدي بعلى في قوله ( على مليء ) بالهمز مأخوذ من الإملاء ، يقال ملؤ الرجل بضم اللام أي : صار مليئا ، وقال الكرماني : ملي كغني لفظا ومعنى ، قال الحافظ : فاقتضى أنه بغير همز ، وليس كذلك ، فقد قال إنه في الأصل بالهمز ومن رواه بتركها فقد سهله ، انتهى .

وذكر غيره أن الرواية بالوجهين .

( فليتبع ) بإسكان الفوقية على المشهور رواية ولغة ، ورواه بعضهم بشدها ، والأول أجود كما قاله القرطبي ، وقد رواه أحمد عن وكيع عن سفيان الثوري عن أبي الزناد بلفظ : إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل ، والبيهقي من طريق يعلى بن منصور عن ابن أبي الزناد عن أبيه ، وأشار إلى تفرد يعلى بذلك ، ولم ينفرد به كما ترى ، ولكن الظاهر أنها بالمعنى ، فقد رواه البخاري عن محمد بن يوسف عن الثوري بلفظ الجادة ، وابن ماجه عن ابن عمر بلفظ : إذا أحلت على مليء فاتبعه ، وهذه بشد التاء خلاف ، والأمر للاستحباب عند الجمهور ، ووهم من نقل فيه الإجماع ، وقيل أمر إباحة وإرشاد وهو شاذ ، وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر على الوجوب ، وإليه مال البخاري وهو ظاهر الحديث .

وأجاب الجمهور بأن الصارف له عنه إلى الندب أنه راجع لمصلحة دنيوية لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحق عنه ، وترك تكليفه التحصيل والإحسان مستحب ، وبأن الصارف كونه أمرا بعد نهي ، وهو [ ص: 486 ] بيع الكالئ بالكالئ فيكون للإباحة والندب على المرجح في الأصول ، وإذا أتبع بالواو لأكثر رواة الموطأ فلا تعلق للجملة الثانية بالأولى ، وللتنيسي وغيره : فإذا أتبع بالفاء ففيه إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة معلل بكون مطل الغني ظلما .

قال ابن دقيق العيد : ولعل السبب فيه أنه إذا تقرر أنه ظلم فالظاهر من حال المسلم الاحتراز عنه فيكون ذلك سببا للأمر بقبول الحوالة عليه ؛ لأن به يحصل المقصود من غير ضرر المطل ، ويحتمل أن يكون ذلك لأن المليء لا يتعذر استيفاء الحق منه إذا امتنع ، بل يأخذه الحاكم قهرا عليه ويوفيه ، ففي قبول الحوالة عليه تحصيل الغرض من غير مفسدة في الحق ، قال : والمعنى الأول أرجح لما فيه من بقاء معنى التعليل بأن المطل ظلم ، وعلى الثاني تكون العلة عدم وفاء الحق لا الظلم .

وقال غيره : قد يدعى أن في كل منهما بقاء التعليل بأن المطل ظلم ؛ لأنه لا بد في كل منهما من حذف به يحصل الارتباط فيقدر في الأول مطل الغني ظلم ، والمسلم في الظاهر يجتنبه فمن أتبع . . . . . إلخ .

وفي الثاني : مطل الغني ظلم ، والظلم تزيله الحكام ولا تقره ، فمن أتبع على مليء فليتبع ولا يخشى من المطل انتهى .

والظلم حرام قليله وكثيره ، وأعظمه الشرك بالله ، قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم ( سورة لقمان : الآية 13 ) .

كن كيف شئت فإن الله ذو كرم لا تجزعن فما في ذاك من باس

إلا اثنتان فلا تقربهما أبدا الشرك بالله والإضرار للناس

وقال تعالى : وقد خاب من حمل ظلما ( سورة طه : الآية 111 ) أي خاب من رحمة الله بحسب ما ارتكب من الظلم .

وقال : ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ( سورة الفرقان : الآية 19 ) وفي الحديث القدسي : يا عبادي إني حرمت الظلم عليكم فلا تظالموا .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ، أي مطل الغني يبيح التظلم منه بأن يقال : ظلمني ومطلني وعقوبته بالضرب والسجن ونحوهما إذا لد .

وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ، ومسلم عن يحيى ، كلاهما عن مالك به ، ورواه بقية الستة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث