الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الوظيفة الثانية في وقت الأداء ومن آداب ذوي الدين التعجيل عن وقت الوجوب إظهارا للرغبة في الامتثال بإيصال السرور إلى قلوب الفقراء ومبادرة لعوائق الزمان أن تعوقه عن الخيرات وعلما بأن في التأخير آفات مع ما يتعرض العبد له من العصيان لو أخر عن وقت الوجوب .

ومهما ظهرت داعية الخير من الباطن فينبغي أن يغتنم فإن ذلك لمة الملك وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن فما أسرع تقلبه ! والشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر وله لمة عقيب لمة الملك فليغتنم الفرصة فيه وليعين لزكاتها إن كان يؤديها جميعا شهرا معلوما ، وليجتهد أن يكون من أفضل الأوقات ؛ ليكون ذلك سببا لنماء قربته وتضاعف زكاته وذلك كشهر المحرم فإنه أول السنة وهو من الأشهر الحرم

التالي السابق


(الوظيفة الثانية في وقت الأداء) للزكاة المفروضة، قال رحمه الله: (ومن آداب ذوي الدين) المستحسنة إخراجها في أول ما يجب، وأفضل من هذا (التعجيل) والمسارعة (عن وقت الوجوب) أي: قبله؛ (إظهارا للرغبة في الامتثال) لأمر الله تعالى (بإيصال السرور إلى قلوب الفقراء) والمساكين (ومبادرة لعوائق الزمان) أي: موانعه الصارفة عن الخير (أن تعيق) أي: تمنع وتصرف (عن الخيرات) والعبادات (وعلما بأن في التأخير آفات) وعوارض، وللدنيا نوائب، وللنفس بدوات، وللقلوب تقليب، (مع ما يتعرض له) أي: لنفسه (من العصيان) والإساءة (لو أخر عن وقت الوجوب) ؛ بناء على أنها فورية لا على التراخي كما تقدم الاختلاف فيه، (ومهما ظهرت داعية الخير من الباطن) واستشعر به من نفسه (فينبغي أن يغتنم) ذلك فإنها فرصة رحمانية (فإن ذلك له الملك و) في الخبر: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) أي: يقلبه كيف شاء (فما أسرع تقلبه!) ومنه قول الشاعر:

وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب

وروى البيهقي عن أبي عبيد بن الجراح مرفوعا: قلب ابن آدم مثل العصفور يتقلب في اليوم سبع مرات. (والشيطان يعد الفقر) ويمني به (ويأمر بالفحشاء والمنكر) ؛ وذلك لأن الإنسان ما دامت حياته [ ص: 109 ] مرتبطة بجسده، فإن حاجته بين عينيه وفقره مشهود له، وبه يأتيه اللعين بوعده وأمره (وله لمة عقيب لمة الملك) فلا يغلبه إلا الشديد المصارع إذا ساعده التوفيق الإلهي (فليغتنم الفرصة في ذلك) فهذا أفضل وأزكى؛ لأنه من المسارعة إلى الخير، ومن المعاونة على البر والتقوى، وداخل في التطوع بالخير، وفعله الذي أمر به خصوصا إذا رأى أنها موضع يتنافس فيه ويغتنم خوف فوته من غاز في سبيل الله، أو في دين على مطالب، أو إلى رجل فقير فاضل طرأ في وقته، أو ابن السبيل غريب وأمثالهم .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان وابن جرير وابن المنذر من حديث ابن مسعود رفعه: أن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق؛ فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الآخر؛ فليتعوذ بالله من الشيطان، ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء الآية (وليعين لزكاته إن كان يؤديها جميعا) أي: مرة واحدة (شهرا) من السنة (معلوما، وليجتهد أن يكون من أفضل الأوقات؛ ليكون ذلك سببا لنماء قربته) وربوها (وتضاعف زكاته) في الأجر (كشهر) الله (المحرم فإنه أول السنة) العربية، وأصل التحريم المنع، وباسم المفعول منه سمي الشهر الأول من السنة، وأدخلوا عليه الألف واللام لما للصفة في الأصل، وجعلوه علما بهما مثل النجم والدبران ونحوه، ولا يجوز دخولهما على غيره من الشهور عند قوم، وعند قوم يجوز على صفر وشوال، وجمع المحرم محرمات (وهو من أشهر الحرم) ، وهي أربعة؛ واحد فرد وثلاثة سرد، وهو: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ووقع في كتاب شرح الوجيز للرافعي حديث عثمان أنه قال في المحرم: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليقض دينه ثم ليزك ماله.

قال الحافظ في تخريجه: رواه مالك في الموطأ، والشافعي عنه عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن عثمان بن عفان: خطبنا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا شهر زكاتكم، قال: ولم يسم لي السائب الشهر، ولم أسأله عن الحديث. ا ه .

وقد تقدم الكلام عليه في مسألة الدين ولم يمنع الزكاة، ولم أر لأحد غير الرافعي هذه الخطبة كانت في المحرم، بل في بعض الروايات أنها كانت في رمضان، ولكن اشتهر عند الخاصة والعامة إخراج زكاة الأموال في هذا الشهر، لا سيما في العاشر منه، وبقي العمل عليه في غالب الأمصار لأمور عديدة منها أنه أول السنة حقيقة، وقد تحقق حولا في الحول على المال، فلا يقبل الغلط في الحساب، ومنها أنه من أشهر الحرم، ومنها أن فيه يوما ورد في صومه والتصدق والتوسع على العيال والفقراء فضل عظيم في أخبار مروية جمعت في رسائل خاصة، فإذا عين المريد لإخراج زكاته هذا الشهر فهو حسن؛ لما فيه من الفضائل التي ذكرنا، وإن خص فيه عاشره كان أحسن؛ لما تمتد أطماع الفقراء فيه؛ ففيه إنجاح لحاجتهم وجبر لخواطرهم .



(تنبيه)

وفي الروضة: ينبغي للإمام أن يبعث السعاة لأخذ الزكوات، والأموال ضربان: ما يعتبر فيه الحول، وما لا يعتبر كالزرع والثمار؛ فهذا يبعث السعاة فيه لوقت وجوبه، وهو إدراك الثمار واشتداد الحب، وأما الأول فالحول يختلف في حق الزكاة، فينبغي للساعي أن يعين شهرا يأتيهم فيه، واستحب الشافعي رحمه الله أن يكون ذلك الشهر المحرم، صيفا كان أو شتاء، فإنه أول السنة الشرعية .

قال النووي: هذا الذي ذكرناه من تعيين الشهر هو على الاستحباب على الصحيح، وفي وجه: يجب. ذكره الرافعي في آخر قسم الصدقات، قال: وينبغي أن يخرج قبل المحرم ليصله في أوله، ثم إذا جاءهم، فمن تم حوله أخذ زكاته، وإن شاء أخر إلى مجيئه من قابل، فإن وثق به فوض التفريق إليه. اهـ .




الخدمات العلمية