الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الوظيفة الثامنة : أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ولا يكتفي بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية فإن في عمومهم خصوص صفات فليراع خصوص تلك الصفات وهي ستة .

، الأولى أن يطلب الأتقياء المعرضين عن الدنيا المتجردين لتجارة الآخرة قال صلى الله عليه وسلم : لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي وهذا لأن التقي يستعين به على التقوى ، فتكون شريكا في طاعته بإعانتك إياه وقال صلى الله عليه وسلم : أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين وفي لفظ آخر : أضف بطعامك من تحبه في الله تعالى وكان بعض العلماء يؤثر بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم فقيل له : لو عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل ، فقال : لا هؤلاء قوم هممهم لله سبحانه فإذا طرقتهم فاقة تشتت هم أحدهم ، فلأن أرد همة واحد إلى الله عز وجل أحب إلي من أن أعطي ألفا ممن همته الدنيا ، فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه وقال : هذا ولي من أولياء الله تعالى وقال ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ، ثم حكى أن هذا الرجل اختل حاله وهم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالا وقال : اجعله بضاعتك ولا تترك الحانوت ؛ فإن التجارة لا تضر مثلك وكان هذا الرجل بقالا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه .

التالي السابق


(الوظيفة الثامنة: أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة) أي: تنمو (ولا يكتفى بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية) المذكورة في الآية (فإن في عمومهم خصوصا فليراع خصوص تلك الصفات وهي ست، الصفة الأولى) منها: (أن يطلب الأتقياء) الأخفياء (المعرضين) بكمال شهودهم (عن) إعراض (الدنيا) الفانية (المتجردين) بكمال هممهم (لتجارة الآخرة) ، أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق أبي قلابة عن عبد الله بن عمر قال: مر عمر بن الخطاب بمعاذ، وهو يبكي، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أحب العباد إلى الله الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح الظلم. (قال صلى الله عليه وسلم: لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي) .

قال العراقي: رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد بلفظ: لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي. ا ه .

قلت: وكذلك رواه ابن المبارك وأحمد والدارمي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي والضياء، وقال الترمذي: حسن، وفي الرياض: إسناده لا بأس به، وقال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي، إلا أن لفظهم: لا تصاحب. فالجملة الأخيرة من الحديث هي الموافقة لحديث أبي سعيد، وإنما نهى عن مواكلة غير تقي؛ لأن المطاعمة توجب الألفة وتؤدي إلى المخالطة، بل هي أوثق عرا المداخلة، ومخالطة غير التقي تخل بالدين وتوقع في الشبهة والمحظورات، فكأنه نهى عن مخالطة الفجار؛ إذ لا تخلو عن فساد إما بمتابعة فعل أو مسامحة في إغضاء عن منكر، فإن سلم من ذلك فلا يخطئه فتنته الغيرية، ثم ذكر المصنف، فقال: (وهذا لأن [ ص: 129 ] التقي يستعين به على) البر و (التقوى، فتكون) أنت أيها المطعم (شريكا له في طاعته) وقصده (بإعانتك إياه) ؛ قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى وهذا إذا كان الطعام الذي تطعمه من حل، وهو الذي يعين على التقوى، وليس المراد به حرمان غير التقي، بل أن يكون القصد به للمتقين أصالة، فلا يقصد به فاجرا يتقوى به على الفجور، فتكون إعانة على معصية .

(وقال صلى الله عليه وسلم: أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين) .

قال العراقي: رواه ابن المبارك في البر والصلة من حديث أبي سعيد الخدري، قال ابن طاهر: غريب، وفيه مجهول. اهـ .

قلت: ورواه كذلك ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان، وأبو يعلى والديلمي، ومعنى الجملة الأخيرة: خالطوا الذين حسنت أخلاقهم وأحوالهم في معاملة ربهم وواسوهم بمعروفكم، وخصوهم بصنوفه (وفي خبر آخر: أضف بطعامك من تحبه في الله تعالى) .

قال العراقي: رواه ابن المبارك، أخبرنا جويبر عن الضحاك مرسلا. اهـ .

وفي بعض نسخ الكتاب وفي لفظ آخر بدل قوله وفي خبر آخر، وهكذا هو نص القوت، (وكان بعض العلماء) من معاصري الجنيد (يؤثر بالطعام) كذا في النسخ، وصوابه بالعطاء، ونص القوت: وعلى العبد أن يجتهد في طلب الأتقياء وذوي الحاجة من الفقراء ويبلغ غاية علمه بذلك، فإن قصر علمه ولم تنفذ فراسته ومعرفته في الخصوص استعان بعلم من هو أعلم منه وأنفذ نظرا وأعرف بالصالحين وأهل الخير منه، ممن يوثق بدينه وأمانته من علماء الآخرة لا من علماء الدنيا، وعلماء الآخرة هم الزاهدون في الدنيا الورعون من التكاثر فيها، فإن حب الدنيا غامض قد هلك فيها خلق كثير، لم ينج من العلماء ولم يسلم من الدنيا إلا المتحققون بالعلم واليقين وهم المتظلمون من الدنيا، وقد قال تعالى: وتثبيتا من أنفسهم أي: يقينا؛ يعني أنهم يثبتون في صدقاتهم، أي: يضعونها في يقين ليستروح إليه القلب وتطمئن به النفس. وقد كان بعض العلماء يؤثر بالعطاء (فقراء الصوفية) أي: المتجردين ذوي الحاجة منهم (دون غيرهم فقيل له:) يا فلان، (لو عممت بمعروفك جميع الفقراء كان أفضل، فقال: لا) أفعل، بل أؤثر هؤلاء على غيرهم، قيل: ولم؟ قال: لأن (هؤلاء هممهم لله سبحانه) ، وفي القوت: همهم الله تعالى (فإذا طرقتهم فاقة) أي: أصابتهم حاجة (تشتت هم أحدهم، فلأن أرد همة واحد إلى الله تعالى أحب إلي من أن أعطي ألفا ممن همته) وفي القوت: همه (الدنيا، فذكر هذا الكلام للجنيد) أبي القاسم رحمه الله تعالى (فاستحسنه) ؛ أي: عده حسنا، (وقال: هذا ولي من أولياء الله تعالى) ، وقال: ونص القوت، ثم قال: (ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا، ثم حكى) ونص القوت: وبلغني (أن هذا الرجل اختل حاله) في أمر الدنيا (وهم) وفي القوت: حتى هم (بترك الحانوت) ، أي: الدكان، (فبعث) ، وفي القوت: فوجه (إليه الجنيد مالا) وفي القوت: بمال، كما صرف إليه (وقال: اجعله بضاعتك) وفي القوت: اجعل هذا بضاعتك، (ولا تترك الحانوت؛ فإن التجارة لا تضر مثلك و) يقال: (كان هذا الرجل) أي: صاحب القصة (بقالا لا يأخذ) ، وفي القوت: ولم يكن يأخذ (من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه) رحمه الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث