الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 5389 ] صالح وثمود

قال الله (تعالى): كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون في ما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم

ابتدأ الله (تعالى) قصة صالح مع ثمود بما ابتدأ به قصة نوح وإبراهيم؛ وعاد قوم هود؛ من بيان أنهم يكذبون المرسلين؛ وكأنهم لا يؤمنون برسالة الله (تعالى) إلى أهل الأرض؛ وبأن الرسول أخوهم؛ ومنهم؛ كشأن الرسل دائما؛ يرسلون إلى أقوامهم؛ وإنهم يعرفون بالأمانة والصبر بينهم؛ وإن أول مطلب لهم منهم [ ص: 5390 ] يقربهم إلى الله زلفى هو أن يملؤوا نفوسهم بالتقوى؛ حتى يعمر قلبهم بالإيمان به؛ ويبتعدوا عن التمرد؛ وينتقلوا من طريق الشر إلى طريق الخير؛ فيأمرهم بتقوى الله وطاعته؛ لأن طاعته طاعة لله (تعالى)؛ وقد أشرنا إلى ذلك في معاني الآيات الأولى لقصة هود وعاد؛ وهذا هو معنى الآيات الخمس الأولى من قصة صالح وثمود؛ وهي قوله (تعالى): كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ؛ ابتدأ - سبحانه وتعالى - بأن خاطبهم أخوهم صالح؛ يذكر لهم أنهم قد أوتوا نعما؛ فلا يمكن أن يتركوا هملا من غير مسؤولية على ما حملوا من نعم؛ فبقدر النعمة تكون النقمة؛ كما قال (تعالى): أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ؛ فقال لهم: أتتركون في ما ها هنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ؛ أتتركون ؛ الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى نفي الوقوع؛ أي: لا تتركون فيما ههنا؛ أي: في هذا المكان آمنين؛ أي: لا تتركون في هذا المكان آمنين من الموت والحساب والعقاب أو الثواب؛ إن حبستم أنفسكم؛ ولكن الموت حق عليكم وهو يأتيكم بكل الأسباب؛ وذلك يستدعي أن تفكروا في عواقب أموركم؛ ولا تحسبوا أنها نعمة لا حساب عليها؛ ولا عواقب تعقبها؛ إن خيرا فالنعيم بعدها؛ وإن شرا فالعذاب الأليم من ورائها؛ في جنات وعيون ؛ الجار والمجرور متعلق بـ " تتركون " ؛ أو بـ " آمنين " ؛ و " الجنات " ؛ جمع " جنة " ؛ و " العيون " ؛ عيون الماء المثمرة؛ كما أشرنا من قبل؛ و " الجنات " : الأشجار الباسقة من كروم؛ وتفاح ورمان وغيرها؛ و " زروع " ؛ جمع " زرع " ؛ وهو النبات الذي يكون منه الحب المتراكب؛ ويتغذى منه الإنسان؛ والذي يكون منه السنابل من قمح وأرز وغير ذلك من النعم التي أنعم بها على الإنسان في غذائه؛ ويشمل النبات والحشائش التي تكون كلأ الأنعام؛ وخص النخل بالذكر لأنه كان غذاء العرب؛ [ ص: 5391 ] حتى سمي العرب " أمة التمر واللبن " ؛ وكان ذكره بعد النبات لبيان إنعام الله (تعالى) على الإنسان بالغذاء بكل أنواعه؛ فأهل المدر غذاؤهم من النبات ذي الحب المتراكب؛ وفري السنابل؛ وأهل الوبر غذاؤهم من النخل في أكثره؛ والله هو المنعم للفريقين.

والضمير في قوله (تعالى): طلعها هضيم ؛ يعود على النخل; لأن النخل أنثى؛ أو لأنه جمع ما لا يعقل؛ إذ النخل اسم جنس جمعي للنخلة؛ ويفرق بين المفرد والجمع بالتاء أو ياء النسب؛ وقد فرق بينهما هنا بالتاء.

و " الطلع " : ما يطلع من جوف النخل؛ كنصل السيف؛ و " الهضيم " : اللطيف؛ المنضم المتلاصق في وعائه في الجوف قبل أن يظهر؛ وهو اليانع النضيج؛ وهذه الأوصاف تكون بحسب الحال؛ وبحسب المآل؛ إذ يكون منه البلح الرطب؛ وأجود التمر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث