الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

2863 (12) باب

ما جاء في كراء الأرض

[ 1628 ] وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض.

رواه أحمد ( 1 \ 234 )، ومسلم (1547) (111)، وأبو داود (3359)، والنسائي ( 7 \ 37 ). [ 1629 ] وعنه قال: كان لرجال فضول أرضين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له فضل أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه.

وفي أخرى: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يكرها.

رواه أحمد ( 3 \ 354 )، والبخاري (2340)، ومسلم (1536) (89 و 92)، والنسائي ( 7 \ 37 ). [ ص: 406 ]

التالي السابق


[ ص: 406 ] (12 و 13) ومن باب كراء الأرض

نهيه صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض و ( قوله: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يكرها ) حجة لمن منع كراء الأرض مطلقا، وحرمه؛ وهم: رافع بن خديج ، وابن عمر - فيما رجع إليه -، وطاوس اليماني ، وأبو بكر بن [ ص: 407 ] عبد الرحمن ، والحسن البصري . وخالفهم في ذلك الجمهور. ثم هم فريقان:

الأول: أجاز كراءها بكل ما يجوز أن يكون ثمنا في البياعات من العروض، والذهب، والفضة، والأطعمة المضمونة. وهو مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي ، والثوري ، متمسكين بقوله تعالى: وأحل الله البيع [البقرة: 275] والإجارة بيع، وبقول رافع : أما بالذهب والفضة فلا بأس. وفي طريق آخر: أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به، وبقياس إجارة الأرض على العقار، وهو من أقوى أنواع القياس؛ لأنه في معنى الأصل. واعتذر هؤلاء عن أحاديث النهي بوجهين:

أما أبو حنيفة : فعلى أصله في ترجيح القياس على خبر الواحد. وأما الشافعي ومن قال بقوله: فيمكن أن يقال: حملوا مطلق تلك النواهي على مقيدها، ورأوا: أن محل النهي إنما هو ما لم يكن مضمونا، ولا معلوما. ويمكن أن يقال: إنهم صرفوا ظاهر النهي إلى التنزه عن ترك الأولى والأحسن، كما فهمه ابن عباس حيث قال: لم ينه عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال: ( يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خرجا معلوما ) وفي اللفظ الآخر: ( لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه كذا وكذا - لشيء معلوم -). وقوله: ( لم ينه ) أي: لم ينه عنه نهي تحريم، بل نهي تنزيه، على ما تقرر.

الفريق الثاني: هو مالك وأصحابه. فالمشهور من مذهبه: أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان؛ مما تنبته، أو مما لا تنبته؛ كالعسل واللبن وغيرهما، ولا بشيء مما تنبته ما عدا القصب والخشب. وقال ابن كنانة : لا تكرى بشيء إن أعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بغير ذلك. وبه قال يحيى بن يحيى ، [ ص: 408 ] وقال: إنه من قول مالك . وقال ابن نافع : تكرى بجميع الأشياء كلها؛ ما أكل منها وما لم يؤكل؛ خرج منها، أو لم يخرج؛ إذا كان ما تكرى به بخلاف ما يزرع فيها، وكأن مالكا رحمه الله جمع بين الأدلة، فحمل أحاديث النهي على كرائها بالطعام أو بما تنبت. وأدلة الإباحة على ما عدا ذلك، وفهم: أن علة المنع: الربا. وذلك: أن الأرض تكرى ليخرج منها الطعام، فجعل لها حكم الطعام، فلا يجوز أن تكرى بطعام؛ لأنه يضارع طعاما بطعام إلى أجل. وقد شهد بصحة ما رآه ما جاء في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج ؛ فيما خرجه أبو داود : أنه زرع أرضا فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسقيها، فسأله: (لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟) فقال: زرعي بيدي وعملي، لي الشطر، ولبني فلان الشطر. فقال: (أربيتما، فرد الأرض إلى أهلها، وخذ نفقتك). وهذا صريح: في أن ذلك من باب الربا وجهته. وهذا في الطعام واضح. وأما فيما ليس بطعام مما تنبته فسد للذريعة على أصله، والله تعالى أعلم. وهذا القدر كاف. وقد كتبنا في هذه المسألة جزءا حسنا.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث