الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن

جزء التالي صفحة
السابق

آ . (32) قوله : كأحد من النساء : قال الزمخشري : [ ص: 118 ] " أحد " في الأصل بمعنى وحد . وهو الواحد ، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه . والمعنى : لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء أي : إذا تقصيت جماعة النساء واحدة واحدة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة . ومنه قوله : والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين . قال الشيخ : " أما قوله " أحد " في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد فصحيح . وأما قوله : " وضع " إلى قوله : " وما وراءه " فليس بصحيح ; لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد ; لأن واحدا ينطلق على كل شيء اتصف بالوحدة ، وأحدا المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل . وذكر النحويون أن مادته همزة وحاء ودال ، ومادة " أحد " بمعنى واحد : واو وحاء ودال ، فقد اختلفا مادة ومدلولا . وأما قوله : لستن كجماعة واحدة ، فقد قلنا : إن معناه ليست كل واحدة منكن . فهو حكم على كل واحدة لا على المجموع من حيث هو مجموع . وأما ولم يفرقوا بين أحد منهم فاحتمل أن يكون الذي يستعمل في النفي العام ; ولذلك جاء في سياق النفي فعم . وصلحت البينية للعموم . ويحتمل أن يكون " أحد " بمعنى واحد ، وحذف معطوف ، أي : بين أحد وأحد .

[ ص: 119 ] كما قال :


3695 - فما كان بين الخير لو جاء سالما أبو حجر إلا ليال قلائل



أي : بين الخير وبيني " . انتهى . قلت : أما قوله فإنهما مختلفان مدلولا ومادة فمسلم . ولكن الزمخشري لم يجعل أحدا الذي أصله واحد بمعنى أحد المختص بالنفي ، ولا يمنع أن أحدا الذي أصله واحد أن يقع في سياق النفي . وإنما الفارق بينهما : أن الذي همزته أصل لا يستعمل إلا في النفي كأخواته من عريب وكتيع ووابر وتامر . والذي أصله واحد يجوز أن يستعمل إثباتا ونفيا . والفرق أيضا بينهما : أن المختص بالنفي جامد ، وهذا وصف . وأيضا المختص بالنفي مختص بالعقلاء وهذا لا يختص . وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري من الحكم على المجموع ، ولكن المعنى على ما قاله الشيخ أوضح وإن كان خلاف الظاهر .

قوله : " إن اتقيتن " في جوابه وجهان ، أحدهما : أنه محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي : إن اتقيتن الله فلستن كأحد . فالشرط قيد في نفي أن يشبهن بأحد من النساء . الثاني : أن جوابه قوله : " فلا تخضعن " والتقوى على بابها . وجوز الشيخ على هذا أن يكون اتقى بمعنى استقبل أي : استقبلتن أحدا [ ص: 120 ] فلا تلن له القول .

واتقى بمعنى استقبل معروف في اللغة . وأنشد :


3696 - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه     فتناولته واتقتنا باليد



أي : واستقبلتنا باليد . قال : " ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن إذ لم يعلق فضيلتهن على التقوى ولا على نهيه عن الخضوع بها ; إذ هن متقيات لله تعالى في أنفسهن . والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى " .

قلت : هذا خروج عن الظاهر من غير ضرورة . وأما البيت فالاتقاء أيضا على بابه أي صانت وجهها بيدها عنا .

قوله : " فيطمع " العامة على نصبه جوابا للنهي . والأعرج بالجزم فيكسر العين لالتقاء الساكنين . وروي عنه وعن أبي السمال وابن عمر وابن محيصن بفتح الياء وكسر الميم . وهذا شاذ ; حيث توافق الماضي والمضارع في حركة . وروي عن الأعرج أيضا أنه قرأ بضم الياء وكسر الميم من أطمع . وهي تحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون الفاعل ضميرا مستترا عائدا على الخضوع المفهوم من الفعل . و " الذي " مفعوله ، أي : لا تخضعن فيطمع الخضوع المريض القلب . ويحتمل أن يكون " الذي " فاعلا ، ومفعوله محذوف أي : فيطمع المريض نفسه .

قوله : وقرن قرأ نافع وعاصم بفتح القاف . والباقون بكسرها . فأما [ ص: 121 ] الفتح فمن وجهين ، أحدهما : أنه أمر من قررت - بكسر الراء الأولى - في المكان أقر به بالفتح . فاجتمع راءان في اقررن ، فحذفت الثانية تخفيفا ونقلت حركة الراء الأولى إلى القاف ، فحذفت همزة الوصل استغناء عنها فصار قرن . ووزنه على هذا : فعن ; فإن المحذوف هو اللام لأنه حصل به الثقل . وقيل : المحذوف الراء الأولى ; لأنه لما نقلت حركتها بقيت ساكنة ، وبعدها أخرى ساكنة فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين ، ووزنه على هذا : فلن ; فإن المحذوف هو العين . وقال أبو علي : " أبدلت الراء الأولى ياء ونقلت حركتها إلى القاف ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء لالتقائهما " . فهذه ثلاثة أوجه في توجيه أنها أمر من قررت بالمكان .

والوجه الثاني : أنها أمر من قار يقار كخاف يخاف إذا اجتمع . ومنه " القارة " لاجتماعها ، فحذفت العين لالتقاء الساكنين فقيل : قرن كخفن . ووزنه على هذا أيضا فلن .

إلا أن بعضهم تكلم في هذه القراءة من وجهين ، أحدهما : قال أبو حاتم : يقال : قررت بالمكان بالفتح أقر به بالكسر وقرت عينه بالكسر تقر بالفتح ، فكيف يقرأ " وقرن " بالفتح ؟ والجواب عن هذا : أنه قد جمع في كل منهما الفتح والكسر ، حكاه أبو عبيد . وقد تقدم ذلك في سورة مريم .

الثاني : سلمنا أنه يقال : قررت بالمكان بالكسر أقر به بالفتح ، وأن [ ص: 122 ] الأمر منه اقررن ، إلا أنه لا مسوغ للحذف ; لأن الفتحة خفيفة ، ولا يجوز قياسه على قولهم " ظلت " وبابه ; لأن هناك شيئين ثقيلين : التضعيف والكسرة فحسن الحذف ، وأما هنا فالتضعيف فقط .

والجواب : أن المقتضي للحذف إنما هو التكرار .

ويؤيد هذا أنهم لم يحذفوا مع التكرار ووجود الضمة ، وإن كانت أثقل نحو : اغضضن أبصاركن ، وكان أولى بالحذف فيقال : غضن . لكن السماع خلافه . قال تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن . على أن الشيخ جمال الدين بن مالك قال : " إنه يحذف في هذا بطريق الأولى " أو تقول : إن هذه القراءة إنما هي من قار يقار بمعنى اجتمع . وهو وجه حسن بريء من التكلف ، فيندفع اعتراض أبي حاتم وغيره ، لولا أن المعنى على الأمر بالاستقرار لا بالاجتماع .

وأما الكسر فمن وجهين أيضا أحدهما : أنه أمر من قر بالمكان بالفتح في الماضي ، والكسر في المضارع ، وهي اللغة الفصيحة ، ويجيء فيه التوجيهات الثلاثة المذكورة أولا : إما حذف الراء الثانية أو الأولى ، أو إبدالها ياء ، وحذفها كما قال الفارسي . ولا اعتراض على هذه القراءة لمجيئها على مشهور اللغة فيندفع اعتراض أبي حاتم ، ولأن الكسر ثقيل ، فيندفع الاعتراض الثاني ، ومعناها مطابق لما يراد بها من الثبوت والاستقرار .

والوجه الثاني : أنها أمر من وقر يقر أي : ثبت واستقر . ومنه الوقار . وأصله اوقرن فحذفت الفاء وهي الواو ، واستغني عن همزة الوصل فبقي " قرن " وهذا كالأمر من وعد سواء . ووزنه على هذا علن . وهذه الأوجه المذكورة إنما يتهدى إليها من مرن في علم التصريف ، وإلا ضاق بها ذرعا .

[ ص: 123 ] قوله : " تبرج الجاهلية " مصدر تشبيهي أي : مثل تبرج . والتبرج : الظهور من البرج لظهوره وقد تقدم . وقرأ البزي " ولا تبرجن " بإدغام التاء في التاء . والباقون بحذف إحداهما . وتقدم تحقيقه في البقرة في " ولا تيمموا " .

قوله : " أهل البيت " فيه أوجه : النداء والاختصاص ، إلا أنه في المخاطب أقل منه في المتكلم . وسمع " بك الله نرجو الفضل " والأكثر إنما هو في المتكلم كقولها :


3697 - نحن بنات طارق     نمشي على النمارق



[وقوله ] :


3698 - نحن بني ضبة أصحاب الجمل     الموت أحلى عندنا من العسل



" نحن العرب أقرى الناس للضيف " " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " أو على المدح أي : أمدح أهل البيت .

[ ص: 124 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث