الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم

                                                                                                                                                                                                الخطاب لمنكري البعث، يعني: أأنتم أصعب خلقا وإنشاء أم السماء ثم بين كيف خلقها فقال: بناها ثم بين البناء فقال: رفع سمكها أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة عام فسواها فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور. أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان. غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم وأظلمه. ويقال أيضا: أغطش الليل، كما يقال: أظلم.

                                                                                                                                                                                                وأخرج ضحاها وأبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله تعالى: والشمس وضحاها [الشمس: 1]. يريد: وضوئها. وقولهم: وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها; وأضيف الليل والشمس إلى السماء، لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها. ماءها عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعي. ونصب الأرض والجبال بإضمار "دحا" و "أرسى" وهو الإضمار على شريطة [ ص: 309 ] التفسير. وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء. فإن قلت: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معنى: دحاها بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب; وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها.

                                                                                                                                                                                                والثاني: أن يكون أخرج حالا بإضمار "قد" كقوله: أو جاءوكم حصرت صدورهم [النساء: 90]. وأراد بمرعاها: ما يأكل الناس والأنعام. واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: يرتع ويلعب [يوسف: 12]. وقرئ: نرتع من الرعي; ولهذا قيل: دل الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح؛ لأنه من الماء متاعا لكم فعل ذلك تمتيعا لكم. ولأنعامكم لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم.

                                                                                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية