الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( وتستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : " { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز ، وعيادة المرضى } " فإن رجاه دعا له والمستحب أن يقول : " أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك " سبع مرات لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله من ذلك المرض } " وإن رآه منزولا به فالمستحب أن يلقنه قول : لا إله إلا الله ، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لقنوا موتاكم لا إله إلا الله } " وروى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة } " ويستحب أن يقرأ عنده سورة ( يس ) ، لما روى معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { اقرءوا على موتاكم يعني يس } " ويستحب أن يضجع على جنبه الأيمن ، مستقبل القبلة ، لما روت سلمى أم ولد رافع قالت : " قالت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها : ضعي فراشي هاهنا واستقبلي بي القبلة ، ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما يغتسل ولبست ثيابا جددا ، ثم قالت : تعلمين أني مقبوضة الآن ، ثم استقبلت القبلة وتوسدت يمينها " ) .

                                      [ ص: 107 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) حديث البراء رواه البخاري ومسلم ، وأما حديث : " أسأل الله العظيم " فحديث صحيح رواه أبو داود والحاكم أبو عبد الله في كتاب الجنائز ، والترمذي في الطب ، والنسائي في اليوم والليلة وغيرهم من رواية ابن عباس ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، وقال الحاكم صحيح على شرط البخاري . وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي : يزيد بن عبد الرحمن بن أبي خالد الدالاني ، وهو مختلف في الاحتجاج به [ ص: 102 ] ولم يرو له البخاري ، وينكر على الحاكم كونه قال في روايته عنه : إنه على شرط البخاري ولكنه رواه من طريق آخر فيه عبد ربه بن سعيد بدل ابن أبي خالد الدالاني ، وعبد ربه على شرط البخاري .

                                      وأما حديث أبي سعيد فرواه مسلم من رواية أبي سعيد ، ورواه أيضا من رواية أبي هريرة ، وأما حديث معاذ فرواه أبو داود بإسناد حسن ، والحاكم في المستدرك وقال : هو صحيح الإسناد ، ولفظهما ( دخل الجنة ) بدل ( وجبت له الجنة ) وأما حديث معقل فرواه أبو داود وابن ماجه بإسناد فيه مجهولان ، ولم يضعفه أبو داود ( وأما ) حديث سلمى فغريب ، لا ذكر له في هذه الكتب المعتمدة ، وأما ألفاظ . الفصل فالبراء بن عازب ممدود على المشهور ، وحكي قصره ، وعازب صحابي ( وقوله ) أمرنا أي أمر ندب ، وهذا الحديث بعض حديث طويل مشهور في الصحيحين " { أمرنا بسبع ونهانا عن سبع فذكر منها اتباع الجنازة وعيادة المريض } " وقوله " منزولا به " أي قد حضره الموت . وقوله صلى الله عليه وسلم " لقنوا موتاكم " أي من قرب موته ، وهو من باب تسمية الشيء بما يصير إليه ، ومنه ( إني أراني أعصر خمرا ) ومعقل بفتح الميم وإسكان العين المهملة ، وأبوه يسار بياء ثم سين ، ومعقل من أهل بيعة الرضوان كنيته أبو علي . وقيل أبو عبد الله وأبو يسار ، وسلمى بفتح السين . وقوله " أم ولد رافع " هكذا هو في نسخ المهذب وهو غلط ، وصوابه أم رافع أو أم ولد أبي رافع ، وهي سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل مولاة صفية بنت عبد المطلب ، والصحيح المشهور هو [ ص: 103 ] الأول . وكانت سلمى قابلة بني فاطمة ، وقابلة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي امرأة أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم ولده . وقولها " ثيابا جددا " هو بضم الدال جمع جديد . هذا هو المشهور في كتب اللغة وغيرها ، ويجوز فتح الدال عند محققي العربية وحذاق أهل اللغة ، وكذلك الحكم في كل ما كان مشددا من هذا الوزن مما ثانيه وثالثه سواء ، الأجود ضم ثاني جمعه ويجوز فتحه كسور ، وذلل ونظائرهما ، وقد بسطت القول في تحقيق هذا بشواهده من كلام أهل العربية واللغة ونقلهم فيه في تهذيب الأسماء واللغات .

                                      ( أما الأحكام ) ففيه مسائل : ( إحداها ) عيادة المريض سنة متأكدة والأحاديث الصحيحة مشهورة في ذلك . قال صاحب الحاوي وغيره : ويستحب أن يعم بعيادته الصديق والعدو ومن يعرفه ومن لا يعرفه لعموم الأحاديث ، وأما الذمي فقد أشار صاحب الشامل إلى أنه لا يستحب عيادته فقال : يستحب عيادة المريض إن كان مسلما . وذكر صاحب المستظهري قول صاحب الشامل ، ثم قال : والصواب عندي أن عيادة الكافر جائزة ، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة يقترن بها من جوار أو قرابة وهذا الذي قاله صاحب المستظهري متعين ، وقد جزم به الرافعي ، وفي صحيح البخاري عن ، أنس قال " { كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : أسلم ، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له : أطع أبا القاسم فأسلم . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : الحمد لله الذي أنقذه من النار } " . قال صاحب الحاوي وغيره : ينبغي أن تكون العيادة غبا لا يواصلها كل يوم إلا أن يكون مغلوبا . قلت : هذا لآحاد الناس ، أما أقارب المريض وأصدقاؤه ونحوهم ممن يأتنس بهم أو يتبرك بهم أو يشق عليهم إذا لم يروه كل يوم فليواصلوها ما لم ينه أو يعلم كراهة المريض لذلك ، قال صاحب الحاوي وغيره : وإذا عاده كره إطالة القعود عنده لما فيه من إضجاره والتضييق عليه ، ومنعه من بعض تصرفاته . [ ص: 104 ] ويستحب العيادة من وجع العين برمد أو غيره ، لحديث زيد بن أرقم قال " { عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني } " رواه أبو داود بإسناد صحيح والحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري ومسلم . وممن صرح بالمسألة القاضي أبو الطيب رحمه الله .



                                      ( المسألة الثانية ) يستحب للعائد إذا طمع في حياة المريض أن يدعو له سواء رجا حياته أو كانت محتملة . وهذه العبارة أحسن من قول المصنف ( إن رجاه ) وجاء في الدعاء للمريض أحاديث كثيرة جمعتها في كتاب الأذكار ، منها الحديث المذكور في الكتاب . وعن أبي سعيد الخدري " { أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نزلوا على حي من أحياء العرب فلدغ سيدهم ، فجعل بعض الصحابة يقرأ الفاتحة ، ويجمع بزاقه ويتفل ، فبرأ الرجل } " رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم " { كان ينفث على نفسه في المرض الذي توفي فيه بالمعوذات وفي رواية : قل هو الله أحد ، وقل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس } رواه البخاري ومسلم وعن أنس أنه قال لثابت : " { ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بلى ، قال اللهم رب الناس مذهب البأس ، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت ، شفاء لا يغادر سقما } " رواه البخاري . وعن عثمان بن أبي العاص أنه " { شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل : بسم الله ثلاثا ، وقل سبع مرات : أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر } " رواه مسلم . وعن سعد بن أبي وقاص قال : { عادني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم اشف سعدا ، اللهم اشف سعدا ، اللهم اشف سعدا } " رواه مسلم . وعن ابن عباس قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على من يعوده قال لا بأس ، طهور إن شاء الله } " رواه البخاري . وعن أبي سعيد الخدري { أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أشتكيت ؟ قال نعم . قال : باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين حاسد ، الله يشفيك ، باسم الله أرقيك } رواه مسلم .



                                      [ ص: 105 ] الثالثة ) إذا رآه منزولا به قد أيس من حياته استحب أن يلقن قول لا إله إلا الله للحديث المذكور في الكتاب ، هكذا قال المصنف والجمهور : يلقنه لا إله إلا الله . وقال جماعات يلقنه الشهادتين : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ممن صرح به القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وصاحب الحاوي وسليم الرازي ونصر المقدسي في الكافي ، والجرجاني في التحرير ، والشاشي في المعتمد وغيرهم ، ودليلهم أن المقصود تذكر التوحيد ، وذلك يقف على الشهادتين ، ودليل الجمهور أن هذا موحد ويلزم من قوله : لا إله إلا الله الاعتراف بالشهادة الأخرى ، فينبغي الاقتصار على لا إله إلا الله لظاهر الحديث . قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : وينبغي أن لا يلح عليه في ذلك ، وأن لا يقول له قل : لا إله إلا الله خشية أن يضجر فيقول : لا أقول أو يتكلم بغير هذا من الكلام القبيح ، ولكن يقولها بحيث يسمعه معرضا له ليفطن فيقولها . وقال بعض أصحابنا : أو يقول : ذكر الله تعالى مبارك فنذكر الله تعالى جميعا ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . قالوا : وإذا أتى بالشهادة مرة لا يعاود ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر . هكذا قال الجمهور : لا يزاد على مرة . وقال جماعة من أصحابنا : يكررها عليه ثلاثا ولا يزاد على ثلاث . ممن صرح بهذا سليم الرازي في الكفاية والمحاملي وصاحب العدة وغيرهم . قال أصحابنا وغيرهم : ويستحب أن يكون الملقن غير وارث ، لئلا يتهمه ويخرج من تلقينه ، فإن لم يحضره إلا الورثة لقنه أشفقهم عليه ، هكذا قالوه . وينبغي أن يقال : لا يلقنه من يتهمه لكونه وارثا أو عدوا أو حاسدا أو نحوهم ، والله أعلم .



                                      ( الرابعة ) يستحب أن يقرأ عند المحتضر سورة ( يس ) هكذا قاله أصحابنا واستحب بعض التابعين سورة الرعد أيضا .



                                      ( الخامسة ) يستحب أن يستقبل به القبلة ، وهذا مجمع عليه ، وفي كيفيته المستحبة وجهان ( أحدهما ) على قفاه ، وأخمصاه إلى القبلة ، ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة ، حكاه جماعات من الخراسانيين وصاحبا الحاوي [ ص: 106 ] والمستظهري من العراقيين ، وقطع به الشيخ أبو محمد الجويني والغزالي وغيرهما ، قال إمام الحرمين : وعليه عمل الناس .

                                      ( والوجه الثاني ) وهو الصحيح المنصوص للشافعي في البويطي ، وبه قطع جماهير العراقيين ، وهو الأصح عند الأكثرين من غيرهم ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة : يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللحد ، فإن لم يمكن لضيق المكان أو غيره فعلى جنبه الأيسر إلى القبلة ، فإن لم يمكن فعلى قفاه ، والله أعلم . واحتج للمسألة الحاكم والبيهقي بحديث أبي قتادة { أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور رضي الله عنه فقالوا : توفي وأوصى بثلثه لك يا رسول الله وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر فقال رسول صلى الله عليه وسلم أصاب الفطرة ، وقد رددت ثلثه على ولده ، ثم ذهب فصلى عليه ، وقال : اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت } " قال الحاكم هذا حديث صحيح . قال : ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره .



                                      ( فرع ) يستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفق به واحتمال الصبر على ما يشق من أمره ، وكذلك من قرب موته بسبب حد أو قصاص ونحوهما . ويستحب للأجنبي أن يوصيهم بذلك لحديث عمران بن حصين " { أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا ، فقالت : يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال : أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ، ففعل ، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ، ثم صلى عليها } .



                                      ( فرع ) يستحب طلب الموت في بلد شريف ، لحديث حفصة رضي الله عنها قالت : قال عمر رضي الله عنه " اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم فقلت أنى يكون هذا ؟ فقال : يأتيني به الله إذا شاء " رواه البخاري .



                                      [ ص: 107 ] فرع ) ويستحب أن لا يكره المريض على الدواء وغيره من الطعام .



                                      ( فرع ) يستحب طلب الدعاء من المريض ، لحديث عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك ، فإن دعاءه كدعاء الملائكة } " رواه ابن ماجه بإسناد صحيح .



                                      ( فرع ) يستحب وعظ المريض بعد عافيته ، وتذكيره الوفاء بما عاهد الله تعالى عليه من التوبة وغيرها من الخير ، وينبغي له هو المحافظة على ذلك ، قال الله تعالى ( { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } ) .



                                      ( فرع ) ينبغي للمريض أن يحرص على تحسين خلقه ، وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا ، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير ، وأن يستحل زوجته وأولاده وسائر أهله وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة أو تعلق ، ويرضيهم وأن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت ، وأن يحافظ على الصلوات واجتناب النجاسة وغيرهما من وظائف الدين ، ولا يقبل قول من يخذله عن ذلك فإن هذا مما يبتلى به ، وهذا المخذل هو الصديق الجاهل ، العدو الخفي . وأن يوصي أهله بالصبر عليه وبترك النوح عليه وكذا إكثار البكاء ، ويوصيهم بترك ما جرت العادة به من البدع في الجنائز ، ويتعاهده بالدعاء له ، وبالله التوفيق .




                                      الخدمات العلمية