الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

درجات التسليم

قال : وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام من الغيب ، والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم ، والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال .

اعلم أن التسليم هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر ، أو شهوة تعارض الأمر ، أو إرادة تعارض الإخلاص ، أو اعتراض يعارض القدر والشرع . [ ص: 147 ] وصاحب هذا التخلص : هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به ، فإن التسليم ضد المنازعة .

والمنازعة : إما بشبهة فاسدة ، تعارض الإيمان بالخبر عما وصف الله به نفسه من صفاته وأفعاله ، وما أخبر به عن اليوم الآخر ، وغير ذلك . فالتسليم له : ترك منازعته بشبهات المتكلمين الباطلة .

وإما بشهوة تعارض أمر الله عز وجل . فالتسليم للأمر بالتخلص منها .

أو إرادة تعارض مراد الله من عبده ، فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب . فالتسليم : بالتخلص منها .

أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره ، بأن يظن أن مقتضى الحكمة خلاف ما شرع ، وخلاف ما قضى وقدر . فالتسليم : التخلص من هذه المنازعات كلها .

وبهذا يتبين أنه من أجل مقامات الإيمان ، وأعلى طرق الخاصة ، وأن التسليم هو محض الصديقية ، التي هي بعد درجة النبوة ، وأن أكمل الناس تسليما : أكملهم صديقية .

فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ .

فأما قوله : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على الأوهام

فيعني : أن التسليم يقتضي ما ينهى عنه العقل ويزاحمه . فإنه يقتضي التجريد عن الأسباب . والعقل يأمر بها . فصاحب التسليم يسلم إلى الله عز وجل ما هو غيب عن العبد . فإن فعله سبحانه وتعالى لا يتوقف على هذه الأسباب التي ينهى العقل عن التجرد عنها . فإذا سلم لله لم يلتفت إلى السبب في كل ما غاب عنه .

فالأوهام يسبق عليها : أن ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلا بالأسباب . والتسليم يقتضي التجرد عنها . والعقل ينهى عن ذلك . والوهم قد سبق عليه أن الغيب موقوف عليها .

فهاهنا أمور ستة : عقل ، ومزاحم له ، ووهم ، وسائق إليه ، وغيب ، وتسليم لهذا المزاحم .

فالعقل هو الباعث له على الأسباب ، الداعي له إليها ، التي إذا خرج الرجل [ ص: 148 ] عنها عد خروجه قدحا في عقله .

والمزاحم له : التجرد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمة الأمور : مواردها ومصادرها .

والوهم : اعتقاده توقف حصول السعادة والنجاة ، وحصول المقدور - كائنا ما كان - عليها ، وأنه لولاها لما حصل المقدور .

وهذا هو السائق إلى الوهم .

والغيب : هو الحكم الذي غاب عنه . وهو فعل الله .

والتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم .

مع أن في تنزيل عبارته على هذا المعنى ، وإفراغ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظرا .

وفيه وجه آخر : وهو أن يكون المراد : التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب مما يزاحم معقوله في بادي الرأي ، لما يسبق إلى وهمه : أن الأمر بخلافه . فيسبق على الأوهام من الغيب الذي أخبرت به شيء يزاحم معقولها فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم الوهم . فإن كثيرا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة ، ويسبق إلى الوهم خلافه . فالتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى وليه ، ومن هو أخبر به ، والتجرد عما يسبق إلى الوهم مما يخالفه .

وهذا أولى المعنيين بكلامه . إن شاء الله .

فالأول : تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العملي القصدي الإرادي . وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي . وهذا حقيقة التسليم .

قوله : والإذعان لما يغالب القياس ، من سير الدول والقسم .

أي الانقياد لما يقاوي عقله وقياسه ، مما جرى به حكم الله في الدول قديما وحديثا : من طي دولة ، ونشر دولة ، وإعزاز هذه وإذلال هذه ، والقسم التي قسمها على خلقه ، مع شدة تفاوتها ، وتباين مقاديرها ، وكيفياتها وأجناسها ، فيذعن لحكمة الله في كل ذلك ، ولا يعترض على ما وقع منها بشبهة وقياس .

ويحتمل أن يكون مراده ب " الدول والقسم " الأحوال التي تتداول على السالك ويختلف سيرها . والقسم التي نالته من الله : ما كان قياس سعيه واجتهاده أن يحصل له أكثر منها . فيذعن لما غالب قياسه منها ، ويسلم للقاسم المعطي بحكمته وعدله . فإن من [ ص: 149 ] عباده من لا يصلحه إلا الفقر . ولو أغناه لأفسده ذلك . ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى . ولو أفقره لأفسده ذلك . ومنهم من لا يصلحه إلا المرض . ولو أصحه لأفسده ذلك . ومنهم من لا يصلحه إلا الصحة . ولو أمرضه لأفسده ذلك .

قوله : والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال .

يقول : إن صاحب هذه الدرجة من قوة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ، ولا يلتفت إليها . ولا يخاف معها من ركوب الأحوال ، واقتحام الأهوال ؛ لأن قوة تسليمه تحميه من خطرها . فلا ينبغي له أن يخاف . فإنه في حصن التسليم ومنعته وحمايته . والله سبحانه وتعالى الموفق بحوله وقوته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث