الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني

جزء التالي صفحة
السابق

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن

فإن قلت: بم اتصل قوله: فأما الإنسان ؟ قلت: بقوله: إن ربك لبالمرصاد كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعي للعاقبة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي; فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها.

فإن قلت: فكيف توازن قوله، فأما الإنسان، إذا ما ابتلاه ربه وقوله: وأما إذا ما ابتلاه وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما، تقول: أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور. أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك; وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟ قلت: هما متوازنان من حيث إن التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه; وذلك أن قوله: فيقول ربي أكرمن خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في "أما" من معنى [ ص: 371 ] الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل: ربي أكرمن وقت الابتلاء، فوجب أن يكون فيقول الثاني خبرا لمبتدأ واجب تقديره. فإن قلت: كيف سمي كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ قلت: لأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أو يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحد. ونحوه قوله تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35]. فإن قلت: هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال: فأكرمه ونعمه؟ قلت: لأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة، وأما التقدير فليس بإهانة له; لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهينا له، وغير مكرم ولا مهين; وإذا أهدى لك زيد هدية قلت: أكرمني بالهدية، ولا تقول: أهانني، ولا أكرمني إذا لم يهد لك. فإن قلت: فقد قال: فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته، ثم أنكر قوله: ربي أكرمن وذمه عليه، كما أنكر قوله: أهانن وذمه عليه.

قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنه إنما أنكر قوله: ربي أكرمن وذمه عليه، لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه ما أعطاه إكراما له مستحقا مستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم، كقوله: إنما أوتيته على علم عندي [القصص: 78]. وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا سابقة ما لا يعتد الله إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها.

والثاني: أن ينساق الإنكار والذم إلى قوله: ربي أهانن يعني أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله: فأكرمه وقرئ: فقدر، [ ص: 372 ] بالتخفيف والتشديد وأكرمن، وأهانن: بسكون النون في الوقف، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث