الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولا الظلمات ولا النور

جزء التالي صفحة
السابق

آ . (20) و " لا " في قوله : ولا الظلمات إلى آخره مكررة لتأكيد النفي . وقال ابن عطية : " دخول " لا " إنما هو على نية التكرار ، كأنه قال : ولا الظلمات والنور ، ولا النور والظلمات ، فاستغني بذكر الأوائل عن الثواني ، ودل مذكور الكلام على متروكه " . قال الشيخ : " وهذا غير محتاج إليه ; لأنه إذا نفي استواؤهما أولا فأي فائدة في نفي استوائهما ثانيا " وهو كلام حسن إلا أن الشيخ هنا قال : " فدخول " لا " في النفي لتأكيد معناه ، كقوله : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة . قلت : وللناس في هذه الآية قولان ، أحدهما : ما ذكر . الثاني : أنها غير مؤكدة ; إذ يراد بالحسنة الجنس ، وكذلك " السيئة " فكل واحد منهما متفاوت في جنسه ; لأن الحسنات درجات متفاوتة ، وكذلك السيئات ، وسيأتي لك تحقيق هذا إن شاء الله تعالى . فعلى هذا يمكن أن يقال بهذا هنا : وهو أن المراد نفي استواء الظلمات ونفي استواء جنس النور ، إلا أن هذا غير [ ص: 224 ] مراد هنا في الظاهر ، إذ المراد مقابلة هذه الأجناس بعضها ببعض لا مقابلة بعض أفراد كل جنس على حدته . ويرجح هذا الظاهر التصريح بهذا في قوله أولا : وما يستوي الأعمى والبصير حيث لم يكررها . وهذا من المواضع الحسنة المفيدة .

والحرور : شدة حر الشمس . وقال الزمخشري : " الحرور السموم ، إلا أن السموم بالنهار ، والحرور فيه وفي الليل " . قلت : وهذا مذهب الفراء وغيره . وقيل : السموم بالنهار ، والحرور بالليل خاصة ، نقله ابن عطية عن رؤبة . وقال : " ليس بصحيح ، بل الصحيح ما قاله الفراء " . وهذا عجيب منه كيف يرد على أصحاب اللسان بقول من يأخذ عنهم ؟ وقرأ الكسائي في رواية زاذان عنه " وما تستوي الأحياء " بالتأنيث على معنى الجماعة .

وهذه الأشياء جيء بها على سبيل الاستعارة والتمثيل ، فالأعمى والبصير ، الكافر والمؤمن ، والظلمات والنور ، الكفر والإيمان ، والظل والحرور ، الحق والباطل ، والأحياء والأموات ، لمن دخل في الإسلام لما ضرب الأعمى والبصير مثلين للكافر والمؤمن عقبه بما كل منها فيه ، فالكافر في ظلمة ، والمؤمن في نور ; لأن البصير وإن كان حديد النظر لا بد له من ضوء [ ص: 225 ] يبصر به ، وقدم الأعمى لأن البصير فاصلة فحسن تأخيره ، ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما هو فيه ، فلذلك قدمت الظلمة على النور ، ولأن النور فاصلة ، ثم ذكر ما لكل منهما فللمؤمن الظل وللكافر الحرور ، وأخر الحرور لأجل الفاصلة كما تقدم .

وقولي " لأجل الفاصلة " هنا وفي غيره من الأماكن أحسن من قول بعضهم لأجل السجع ; لأن القرآن ينزه عن ذلك . وقد منع الجمهور أن يقال في القرآن سجع ، وإنما كرر الفعل في قوله : وما يستوي الأحياء مبالغة في ذلك ; لأن المنافاة بين الحياة والموت أتم من المنافاة المتقدمة ، وقدم الإحياء لشرف الحياة ولم يعد " لا " تأكيدا في قوله : " الأعمى والبصير " وكررها في غيره ; لأن منافاة ما بعده أتم ، فإن الشخص الواحد قد يكون بصيرا ثم يصير أعمى ، فلا منافاة إلا من حيث الوصف بخلاف الظل والحرور ، والظلمات والنور ، فإنها متنافية أبدا ، لا يجتمع اثنان منها في محل ، فالمنافاة بين الظل والحرور وبين الظلمة والنور دائمة .

فإن قيل : الحياة والموت بمنزلة العمى والبصر ، فإن الجسم قد يكون متصفا بالحياة ثم يتصف بالموت . فالجواب : أن المنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ; لأن الأعمى والبصير يشتركان في إدراكات كثيرة ، ولا كذلك الحي والميت ، فالمنافاة بينهما أتم ، وأفرد الأعمى والبصير لأنه قابل الجنس بالجنس ، إذ قد يوجد في أفراد العميان ما يساوي بعض أفراد البصراء كأعمى ذكي له بصيرة يساوي بصيرا بليدا ، فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين الأفراد .

وجمع الظلمات لأنها عبارة عن الكفر والضلال ، وطرقهما كثيرة متشعبة ، ووحد النور لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد ، فالتفاوت بين كل فرد من أفراد الظلمة ، وبين هذا الفرد الواحد . والمعنى : الظلمات كلها لا تجد فيها [ ص: 226 ] ما يساوي هذا الواحد كذا قيل . وعندي أنه ينبغي أن يقال : إن هذا الجمع لا يساوي هذا الواحد فيعلم انتفاء مساواة فرد منه لهذا الواحد بطريق الأولى ، وإنما جمع الأحياء والأموات لأن التفاوت بينهما أكثر ; إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حيا ، فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت الجنس بالجنس ، أم الفرد بالفرد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث