الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تحريم السؤال من غير ضرورة ، وآداب المضطر إليه

تحريم السؤال من غير ضرورة ، وآداب المضطر إليه

اعلم أنه قد وردت مناه كثيرة في السؤال وتشديدات ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم ، ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع وليس عليه لحم " وفي لفظ آخر : "كانت مسألته خدوشا وكدوحا في وجهه " وهذه الألفاظ صريحة في التحريم والتشديد . وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر كثيرا بالتعفف عن السؤال .

وسمع " عمر " - رضي الله عنه - سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه : "عش الرجل " فعشاه ، ثم سمعه ثانيا يسأل فقال : "ألم أقل لك عش الرجل " قال : "قد عشيته " فنظر " عمر " فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال : "لست سائلا ولكنك تاجر " ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة ، وضربه بالدرة وقال : "لا تعد " ولولا سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ، وإنما استجاز ذلك - رضي الله عنه - لكونه لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال ، وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا ، فلم يدخل في ملكه بأخذه من التلبيس ، وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف أصحابه بأعيانهم ، فبقي مالا لا مالك له ، فوجب صرفه إلى المصالح ، وإبل الصدقة وعلفها من المصالح .

نعم يباح السؤال بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة ، فالضرورة كسؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتا أو مرضا ، وسؤال العاري وبدنه مكشوف ليس معه ما يواريه ، وهو مباح ما دام السائل عاجزا عن الكسب فإن القادر على الكسب وهو بطال ليس له السؤال إلا إذا استغرق طلب العلم أوقاته ، وأما المستغني فهو الذي يطلب الشيء وعنده مثله وأمثاله ، فسؤاله حرام قطعا ، وأما المحتاج حاجة مهمة فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء ، وكمن له جبة لا قميص تحتها في الشتاء وهو يتأذى بالبرد ، وكمن يسأل الكراء لفرس . ولا ينبغي أن يأخذ ما يعلم أن باعثه الحياء فإنه حرام محض ، وما يشك فيه فليستفت قلبه فيه ، وليترك حزاز القلب فإنه الإثم ، وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وإدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته وضعف حرصه وشهوته ، فإن قوي الحرص وضعفت الفطنة [ ص: 297 ] تراءى له ما يوافق غرضه فلا يتفطن للقرائن الدالة على الكراهة ، وبهذه الدقائق يطلع على سر قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه " وقد ورد في وعيد من يسأل وهو غني قوله - صلى الله عليه وسلم - : " من سأل عن ظهر غنى فإنما يسأل جمرا فليستقل منه أو ليستكثر " وقد ورد في حد الغنى المحرم للسؤال آثار مختلفة متنوعة ، يمكن تنزيلها على اختلاف أحوال المحتاجين ، إذ الحاجة لا تقبل الضبط ، فأمرها منوط باجتهاد العبد ونظره لنفسه بينه وبين الله تعالى ، فيستفتي فيه قلبه ، ويعمل به إن كان سالكا طريق الآخرة . نسأله - تعالى - حسن التوفيق بلطفه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث