الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فصل . وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين ، فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة ، ثم ينادي في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبسين غدا ، فمن له منهم خصم فليحضر فإذا كان الغد ، وحضر القاضي أحضر رقعة ، فقال : هذه رقعة فلان بن فلان ، فمن خصمه ؛ فإن حضر خصمه نظر بينهما وإن كان حبس في تهمة أو افتئات على القاضي قبله ، خلى سبيله . وإن لم يحضر له خصم ، وقال : حبست ظلما ، ولا حق علي ، ولا خصم لي . نادى بذلك ثلاثا ، فإن حضر له خصم ، وإلا أحلفه وخلى سبيله .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل . ( وأول من ينظر فيه أمر المحبسين ) لأن الحبس عذاب ، وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه ، فاستحب البداءة بهم . ( فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة ) لأن ذلك طريق إلى معرفة الحال على ما هي عليه ، ولئلا يتكرر بكتابته في رقعة واحدة النظر في حال الأول منها فالأول ، بل يخرج واحدة منها بالاتفاق كما في القرعة . ( ثم ينادي في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبوسين غدا فمن له فيهم خصم فليحضر ) كذا ذكره في " الكافي " و " المحرر " و " المستوعب " و " الرعاية " لأن في ذلك إعلاما بيوم جلوس القاضي . وفي " الشرح " : أن القاضي يأمر مناديا ينادي في البلد بذلك ثلاثة أيام ، وأنه يجعل الرقاع بين يديه فيمد يده إليها فما رفع في يده منها نظر إلى اسم [ ص: 46 ] المحبوس ، وقيل : يخصه بقرعة . ( فإذا كان الغد وحضر القاضي أحضر رقعة ، فقال : هذه رقعة فلان بن فلان فمن خصمه ؛ ) لأنه لا يمكنه الحكم إلا بذلك . ( فإن حضر خصمه نظر بينهما ) لأنه لذلك ولي ، ولا يسأل خصمه لم حبسته ، لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه لحق ترتب عليه ، ولكن يسأل المحبوس لم حبست ؛ فإن قال : جئت بحق أمره بقضائه . طلبه وخصمه ، فإن أبى وله موجود قضاه منه أو من ثمنه ، إن لم يكن كالمدعى به . وفي " الشرح " : قال له القاضي : اقضه وإلا رددتك إلى الحبس . فإن ادعى عجزا وكذبه خصمه ، أو عرف له مال ولا بينة تشهد بتلفه أو نفاده أو عجزه أو عسرته ، أعيد حبسه إن طلبه غريمه ، فإن لم يقضه قضاه الحاكم من موجوده أو ثمنه ، فإن تعذر أعيد حبسه بطلب غريمه . وقيل : إن حلف خصمه أنه قادر حبسه . وإلا حلف المنكر على التلف والإعسار ، وخلي كمن لم يعرف له مال . وإن صدقه غريمه في عجزه وإعساره ، أو ثبت بينة أطلق بلا يمين . قدمه في " المستوعب " و " الرعاية " ، وقيل : يحلف مع البينة ; لأنها تشهد بالظاهر ، ويحتمل أن يكون له مال لا يعلمه . وإن أقام خصمه بينة بأن له ملكا معينا ، فقال : هو لزيد . فكذبه زيد ، بيع في الدين ; لأن إقراره سقط بإكذابه . وكذا إن صدقه زيد ولم يكن له بينة ، ذكره القاضي لأن البينة شهدت لصاحب اليد بالملك ، فتضمنت شهادتها وجوب القضاء منه ، فإذا لم تقبل شهادتها في حق نفسه قبلت فيما تضمنته ; لأنها حق غيره ، ولأنه متهم في إقراره لغيره . وفيه وجه يثبت الإقرار ويسقط البينة ; لأنها تشهد بالملك لمن لا يدعيه [ ص: 47 ] وينكره . فإن صدقه زيد وله بينة فهو له ; لأن بينته قويت بإقرار صاحب اليد . وإن علم رب الدين عسرته حرم عليه حبسه ، ووجب إنظاره إلى يسرته . ( وإن كان حبس في تهمة أو افتئات على القاضي قبله خلى سبيله ) ذكره في " الشرح " و " المستوعب " و " الوجيز " ، لأن بقاءه فيه ظلم ، ولأن المقصود التأديب ، وقد حصل . وفي " المحرر " و " الرعاية " و " الفروع " : أن الحاكم إن شاء خلاه ، وإن شاء أبقاه بقدر ما يرى ، فإطلاقه بإذنه ولو في قضاء دين ونفقة ، فيرجع ، ووضع ميزاب بناء وغيره وأمره بإراقة نبيذ ، ذكره في " الأحكام السلطانية " وقرعته وإطلاق محبوس ، ذكره في " الرعاية " حكم يرفع الخلاف إن كان . ومثله : تقدير مدة حبسه ، والمراد إذا لم يأمر ولم يأذن بحبسه . تنبيه : إذا قال : حبست لتعديل البينة . أعيد حبسه في الأصح ، إن طلبه خصمه وكان الأول قد حكم به ، وإلا نادى أنه حكم بإطلاقه . وكذا إن قلنا : لا يحبس في ذلك وصدقه خصمه . فإن قال الخصم : الحاكم قد عرف عدالة شهودي وحكم عليه بالحق . قبل قوله . وإن قال : حبست لتكميل البينة . فهو كما لو قال : حبست لتعديلها . وإن قال : حبست في ثمن كلب أو خمر أرقته لذمي . وصدقه خصمه أطلقه . وفيه وجه : أن الثاني ينفذ حكم الأول ; لأنه ليس له نقض حكم غيره باجتهاده . وفيه وجه : يتوقف ويجتهد في المصالحة بينهما بشيء . وإن قال خصمه : حبست بحق غير هذا . صدق للظاهر . وإن قال : خصمي غائب ووكيله ، وأنا مظلوم . كتب إليه ليحضر هو أو وكيله ، وإن تأخر بلا عذر ولم يجد من يحاكمه أطلق . ويحتمل أن يطلق [ ص: 48 ] مطلقا كما لو جهل مكانه . والأولى أن يضمن عليه ويطلق ، فإن تعذر الكفيل أطلقه إذا أيس من خصم له وكفيل . ( وإن لم يحضر له خصم ، وقال : حبست ظلما ، ولا حق علي ولا خصم لي . نادى بذلك ثلاثا فإن حضر له خصم ) نظر بينهما . ( وإلا أحلفه وخلى سبيله ) ذكره معظم الأصحاب ; لأن الظاهر أنه لو كان له خصم لظهر . وفي " الرعاية " : وقيل : ثلاثة أيام . تنبيه : فعله حكم ، كتزويج يتيمة ، وشراء عين غائبة ، وعقد نكاح بلا ولي ، ذكره المؤلف في الأخيرة ، وذكر الشيخ تقي الدين أنه أصح الوجهين . وذكر الأزجي فيمن أقر لزيد فلم يصدقه ، وقلنا يأخذه الحاكم ، ثم ادعاه المقر لم يصح ; لأن قبض الحاكم بمنزلة الحكم بزوال ملكه . وفي " التعليق " و " المحرر " : فعله حكم إن حكم به هو أو غيره وفاقا لفتياه ، فإذا قال : حكمت بصحته . نفذ حكمه باتفاق الأئمة . وسبق كلام الشيخ تقي الدين : الحاكم ليس هو الفاسخ ، وإنما يأذن أو يحكم به ، فمتى أذن أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ لم يحتج بعد ذلك إلى حكم بصحته ، لكن لو عقد هو أو فسخ فهو فعله . وهل فعله حكم ؛ فيه الخلاف المشهور . مسائل : حكمه بشيء حكم بلازمه ، ذكره الأصحاب في أحكام [ ص: 49 ] مفقود . وثبوت شيء عنده ليس حكما به على ما ذكروه في صفة السجل . وتنفيذ الحكم يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ ، قاله شيخنا ابن نصر الله . وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه حكم ، وفي كلام بعضهم أنه عمل بالحكم وإجازة له وإمضاء ، كتنفيذ الوصية .




                                                                                                                          الخدمات العلمية