الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة الروم

[ ص: 201 ] سورة الروم

386 - قوله تعالى : أولم يسيروا في الأرض هنا ، وفي فاطر " 44 " ، وأول المؤمن " 21 " بالواو ، وفي غيرهن بالفاء ؛ لأن ما قبلها في هذه السورة : أولم يتفكروا ، وكذلك بعدها : وأثاروا الأرض بالواو ؛ فوافق ما قبلها وما بعدها . وفي فاطر أيضا وافق ما قبله ما بعده ، فإن قبله : ولن تجد لسنت الله تحويلا ، وبعدها : وما كان الله ليعجزه من شيء ، وكذلك أول المؤمن قبله : والذين يدعون من دونه .

وأما في آخر المؤمن فوافق ما قبله وما بعده وكانا بالفاء ، وهو قوله : فأي آيات الله تنكرون ، وبعده : فما أغنى عنهم .

387 - قوله : كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ، و من قبلهم متصل بكون آخر مضمر ، وقوله : كانوا أشد منهم قوة إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك .

وخصت هذه السورة بهذا النسق لما يتصل من الآيات بعده ، وكله إخبار عما كانوا عليه وهو : وأثاروا الأرض وعمروها ، وفي فاطر : كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا بزيادة الواو ؛ لأن التقدير : فينظروا كيف أهلكوا وكانوا أشد منهم قوة .

وخصت هذه السورة به لقوله : وما كان الله ليعجزه من شيء الآية .

وفي المؤمن : كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة . فأظهر " كان " العامل " في " " من قبلهم " ، وزاد " هم " ؛ لأن في هذه السورة وقعت في أوائل قصة نوح ، وهي [ ص: 202 ] تتم في ثلاثين آية ، فكان اللائق البسط ، وفي آخر المؤمن : كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة ، فلم يبسط القول ؛ لأن أول السورة يدل عليه .

388 - قوله : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ، وختم الآية بقوله : يتفكرون ؛ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني التي خلقن لها ، من التآنس والتجانس ، وسكون كل واحد منهما إلى الآخر .

389 - قوله : ومن آياته خلق السماوات والأرض ، وختم بقوله : للعالمين ؛ لأن الكل تظلهم السماء ، وتقلهم الأرض ، وكل واحد منفرد بلطيفة في صوته يمتاز بها عن غيرها ، حتى لا ترى اثنين في ألف يتشابه صوتاهما ويلتبس كلامهما ، وكذلك ينفرد كل واحد بدقيقة في صورته يتميز بها من بين الأنام ، فلا ترى اثنين يشتبهان ، وهذا يشترك في معرفته الناس جميعا ، فلهذا قال : لآيات للعالمين .

ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات ، واختلاف الألوان على السواد والبياض والشقرة والسمرة ، فالاشتراك في معرفتها أيضا ظاهر .

ومن قرأ : " للعالمين " بكسر اللام فقد أحسن ؛ لأن بالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره .

390 - قوله : ومن آياته منامكم بالليل ، وختم بقوله : يسمعون ؛ فإن من سمع أن النوم من صنع الله الحكيم ، ولا يقدر أحد على اجتلابه إذا امتنع ، ولا على دفعه إذا ورد ، [ ص: 203 ] تيقن أن له صانعا مدبرا .

قال الخطيب : معنى يسمعون ههنا : يستجيبون إلى ما يدعوهم إليه الكتاب .

وختم الآية الرابعة بقوله : يعقلون ؛ لأن العقل ملاك أمر في هذه الأبواب ، وهو المؤدي إلى العلم ، فختم بذكره .

391 - قوله : ومن آياته يريكم ، أي أنه يريكم . وقيل : تقديره : ويريكم من آياته البرق . وقيل : أن يريكم . فلما حذف " أن " سكن الياء . وقيل : من آياته كلام كاف ، كما تقول : منها كذا ، ومنها كذا ، ومنها وتسكت تريد الكثرة .

392 - قوله : أولم يروا أن الله يبسط الرزق ، وفي الزمر : أولم يعلموا ؛ لأن بسط الرزق مما يشاهد ويرى ، فجاء في هذه السورة على ما يقتضيه اللفظ والمعنى ، وفي الزمر اتصل بقوله : أوتيته على علم ، وبعده : ولكن أكثرهم لا يعلمون ، فحسن : أولم يعلموا .

393 - قوله : ولتجري الفلك بأمره ، وفي الجاثية : فيه بأمره ؛ لأن في هذه السورة تقدم ذكر الرياح وهو قوله : أن يرسل الرياح مبشرات بالمطر وإذاقة الرحمة ، لتجري الفلك بالرياح بأمر الله تعالى ، ولم يتقدم ذكر البحر .

وفي الجاثية تقدم ذكر البحر وهو قوله : الله الذي سخر لكم البحر ، فكنى عنه فقال : لتجري الفلك فيه بأمره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث