الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          ويجوز كتاب القاضي فيما حكم به لينفذه في المسافة القريبة ، ومسافة القصر ، ويجوز فيما ثبت عنده ليحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة . ويجوز أن يكتب إلى قاض معين ، وإلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم ، ولا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به شاهدان يحضرهما القاضي الكاتب فيقرأه عليهما ثم يقول : أشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان ويدفعه إليهما . فإذا وصلا إلى المكتوب إليه ، دفعا إليه الكتاب ، وقالا : نشهد أن هذا كتاب فلان إليك ، كتبه من عمله وأشهدنا عليه . والاحتياط أن يشهدا عليه بما فيه ، ويختمه ولا يشترط ختمه .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          ( ويجوز كتابه فيما حكم به ) مثل أن يحكم على إنسان بحق ، فيتعين عليه وفاؤه . أو يدعي حقا على غائب ، ويقيم بينة عنده ، ويسأل الحاكم الحكم عليه ، فيحكم عليه ، ويسأله أن يكتب له كتابا بحكمه إلى قاضي البلد الذي فيه الغائب ، فيكتب له إليه . أو تقوم البينة على حاضر ، فيهرب قبل الحكم عليه ، فيسأل صاحب الحق الحاكم الحكم عليه ، وأن يكتب له كتابا بحكمه ، فيلزم الحاكم إجابته ; لأن الحاجة داعية إلى ذلك . ( لينفذه [ ص: 105 ] في المسافة القريبة ، ومسافة القصر ) لا نعلم فيه خلافا ; لأن المكتوب إليه يلزمه قبوله .

                                                                                                                          وظاهره : ولو كانا ببلد واحد وحكم الحاكم ، يجب إمضاؤه على كل حاكم . واختار الشيخ تقي الدين وفي حق الله - تعالى - . ( ويجوز فيما ثبت عنده ليحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة ) هذا هو المذهب ; لأنه نقل شهادة ، فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشهادة ، وكتابه بالحكم ليس هو نقلا ، وإنما هو خبر .

                                                                                                                          وعنه : فوق يوم . قال الشيخ تقي الدين : خرجته في المذهب ، وأقل كخبر . وقاله أبو يوسف ومحمد . وروي عن أبي حنيفة ، لكن قال بعض أصحابه : الذي يقتضيه مذهبه أنه لا يجوز ، كما لا يجوز ذلك في الشهادة على الشهادة .

                                                                                                                          قال القاضي : ويكون في كتابه : شهد عندي فلان وفلان بكذا . ليكون المكتوب إليه هو الذي يقضي ، ولا يكتب : ثبت عندي . لأنه حكم بشهادتهما كبقية الأحكام . قاله ابن عقيل وغيره .

                                                                                                                          قال الشيخ تقي الدين : والأول أشهر ; لأنه خبر بالثبوت كشهود الفرع ، لأن الحكم أمرا ونهيا يتضمن إلزاما .

                                                                                                                          فرع : لو أثبت مالكي وقفا لا يراه ، كوقف الإنسان على نفسه بالشهادة على الخط ، فإن حكم للخلاف في العمل بالخط كما هو المعتاد ، فلحنبلي يرى صحة الحكم [ ص: 106 ] أن ينفذه مسافة قريبة . وإن لم يحكم المالكي ، بل قال : ثبت كذا . فكذلك ; لأن الثبوت عند المالكي حكم . ثم إن رأى الحنبلي الثبوت حكما نفذه ، وإلا فالخلاف في قرب المسافة ولزوم الحنبلي تنفيذه ، ينبني على لزوم تنفيذ الحكم المختلف فيه ، وحكم المالكي مع علمه باختلاف العلماء في الخط لا يمنع كونه مختلفا فيه . ولهذا لا ينفذه الحنفي حتى ينفذه آخر . وللحنبلي الحكم بصحة الوقف مع بعد المسافة ومع قربها ، الخلاف ذكره في " الفروع " . ( ويجوز أن يكتب إلى قاض معين ) ككتابه عليه السلام إلى كسرى وقيصر . ( وإلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم ) وهو قول أبي ثور ، واستحسنه أبو يوسف كما لو كان معينا . ( ولا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به شاهدان ) عدلان عند المكتوب إليه ، ويعتبر ضبطهما لمعناه وما يتعلق به الحكم فقط ، نص عليه . وقيل : عند الكاتب .

                                                                                                                          ويتوجه لنا : أنه إذا كان يعرف خطه وختمه اكتفى به ، وهو قول الحسن وسوار والعنبري ; لأنه يحصل غلبة الظن أشبه شهادة الشاهدين .

                                                                                                                          وجوابه : أن ما أمكن إتيانه بالشهادة لم يجز الاقتصار على الظاهر ، كإثبات العقود ، ولأن الخط يشبه الخط ، والختم يمكن التزوير عليه ، ولأنه نقل حكم أو إثبات ، فلم يكن فيه بد من شهادة عدلين ، كالشهادة على الشهادة . ( يحضرهما القاضي الكاتب ) لأن تحمل الشهادة بغير معرفة المشهود به غير جائز . ( فيقرأه [ ص: 107 ] عليهما ) وهذا ليس بواجب في القبول ، بل قراءته هي الواجبة ، سواء كانت من حاكم أو غيره . والأولى أن يقرأه الحاكم ; لأنه أبلغ . والأحوط أن ينظرا معه فيما يقرؤه ، فإن لم ينظرا جاز ; لأنه لا يستقر إلا ثقة . ( ثم يقول : أشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان ) لأنه يحملهما الشهادة ، فوجب أن يعتبر فيه إشهاده ، كالشهادة على الشهادة . وإن قال : اشهدا علي بما فيه . كان أولى . فإن اقتصر على قوله : هذا كتابي إلى فلان . فظاهر الخرقي : أنه لا يجزئ حتى يقول : اشهدا علي . كالشهادة على الشهادة .

                                                                                                                          وقال القاضي : يجزئ . ثم إن قل ما في الكتاب اعتمدا على حفظه ، وإلا كتب كل منهما نسخة به . ويقبضان الكتاب قبل أن يغيبا ; لئلا يدفع إليهما غيره . ( فإذا وصلا إلى المكتوب إليه ، دفعا إليه الكتاب ) ثم يقرؤه عليهما ، ثم شهدا به . ( وقالا : نشهد أن هذا كتاب فلان إليك ، كتبه من عمله وأشهدنا عليه ) لأن الكتاب لا يقبل إلا من قاض ، وذلك يستدعي وجود الكتابة والإشهاد عليه في موضع قضائه . وفي كلام أبي الخطاب : كتبه بحضرتنا ، وقال لنا : اشهدا علي ، كتبته في عملي ، فثبت عندي حكمت به من كذا وكذا . فيشهدان بذلك ; لأن الكتاب لا يقبل إلا إذا وصل في مجلس عمله . ( والاحتياط أن يشهدا عليه بما فيه ، ويختمه ) لأنه أبلغ . ( ولا يشترط ختمه ) لأنه - عليه السلام - كتب إلى قيصر ولم يختمه ، فقيل له : إنه لا يقرأ كتابا غير مختوم . فاتخذ الخاتم .




                                                                                                                          الخدمات العلمية