الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ما يوجب نقض القسمة بعد وجودها

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان ما يوجب نقض القسمة بعد وجودها فنقول - وبالله التوفيق : الذي يوجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع : ( منها ) ظهور دين على الميت ; إذا طلب الغرماء ديونهم ولا مال للميت سواه ، ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم ، وبيان ذلك : أن الورثة إذا اقتسموا التركة ثم ظهر على الميت دين فهذا لا يخلو من أحد وجهين : إما أن يكون للميت مال آخر سواه ، وإما أن لم يكن ، فإن لم يكن له مال سواه ، ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم ; تنقض القسمة سواء كان الدين محيطا بالتركة أو لم يكن ; لأن الدين مقدم على الإرث قليلا كان أو كثيرا ، قال الله - تبارك وتعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو دين } .

قدم سبحانه وتعالى الدين على الوصية من غير فصل بين القليل والكثير ; لأن الدين إذا كان محيطا بالتركة ; تبين أنه لا ملك للورثة فيها إلا من حيث الصورة بل هي ملك للميت يتعلق بها بحق الغرماء ، وقيام ملك الغير في المحل يمنع صحة القسمة ، فقيام الملك والحق أولى .

وإذا لم يكن محيطا بالتركة فملك الميت وحق الغرماء - وهو حق الاستيفاء - ثابت في قدر الدين من التركة على الشيوع ، فيمنع جواز القسمة فإن لم يكن للميت مال آخر سواه يجعل الدين فيه ، وتمضي القسمة ; لأن القسمة تصان عن النقض ما أمكن ، وقد أمكن صيانتها بجعل الدين فيه ، وكذا الورثة إذا قضوا الدين من مال أنفسهم لا تنقض ; لأن حق الورثة كان متعلقا بصورة التركة ، وحق الغرماء بمعناها وهو المالية ، فإذا قضوا الدين من مال أنفسهم فقد استخلصوا التركة لأنفسهم صورة ومعنى ، فتبين أنهم في الحقيقة اقتسموا مال أنفسهم صورة ومعنى ، فتبين أنها وقعت صحيحة فلا تنقض ، وكذلك إذا أبرأه الغرماء من ديونهم لا تنقض القسمة ; لأن النقض لحقهم وقد أسقطوه بالإبراء ، وكذلك إذا ظهر لبعض المقتسمين دين على الميت ، بأن ادعى دينا على الميت وأقام البينة عليه ; فله أن ينقض القسمة ; لما قلنا ، ولا تكون قسمته إبراء من الدين ; لأن حق الغريم يتعلق بمعنى التركة وهو ماليتها لا بالصورة ، ولهذا كان للورثة حق الاستخلاص ، وإذا كان كذلك فلا يكون إقدامه على القسمة إقرارا منه ; لأنه لا دين له على الميت فلم يكن مناقضا في دعواه فسمعت .

( ومنها ) ظهور الوصية حتى لو اقتسموا ثم ظهر ثم موصى له بالثلث ; نقضت قسمتهم ; لأن الموصى له شريك الورثة ، ألا ترى أنه لو هلك من التركة شيء قبل القسمة يهلك من الورثة والموصى له جميعا ، والباقي على الشركة بينهم ، ولو اقتسموا وثمة وارث آخر غائب تنقض ، فكذا هذا ، وهذا إذا كانت القسمة بالتراضي ، فإن كانت بقضاء القاضي لا تنقض ; لأن الموصى له وإن كان كواحد من الورثة ، لكن القاضي إذا قسم عند غيبة أحد الورثة لا تنقض قسمته ; لأن القسمة في هذا الموضوع محل الاجتهاد ، وقضاء القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ينقض .

( ومنها ) ظهور الوارث حتى لو اقتسموا ثم ظهر أن ثمة وارث آخر ; نقضت قسمتهم ، ولو كانت القسمة بقضاء القاضي لا تنقض ; لما ذكرنا ، ولو ادعى وارث وصية لابن له صغير بعد القسمة لا تصح دعواه ، حتى لا تسمع منه البينة ; لكونه مناقضا في الدعوى إذ لا تصح قسمتهم الميراث وثم موصى له ، فكان إقدامه على القسمة إقرارا منه بانعدام الوصية ، فكان دعوى وجود الوصية مناقضة فلا تسمع ، ولكن لا يبطل حق الصغير بقسمة الأب ; لأنه لا يملك إبطال حقه ، وكذلك لو ادعى بعض الورثة أن أخا له من أبيه وأمه ورث أباه معهم ، وأنه مات بعد موت الأب وورثه هذا المدعي ، وجحد الباقون ذلك ، فأقام المدعي البينة لا تقبل بينته ; لأنه هنا قضي في دعواه ; لدلالة إقراره بانعدام وارث آخر بإقدامه على القسمة ، وكذلك كل ميراث يدعيه أو شراء أو هبة أو صدقة أو وصية بعد القسمة ; للتناقض بدلالة الإقدام على القسمة ، والله - تعالى - أعلم .

دار بين رجلين أقر أحدهما ببيت منها لرجل ، وأنكر الآخر يصح إقراره ; لأن إقرار الإنسان حجة على نفسه ; لأن هذا الإقرار لم يوجب تعلق الحق بالعين لحق الشريك الآخر بل هو موقوف ، وإذا لم يتعلق بالعين [ ص: 31 ] لا يمنع جواز القسمة فتقسم الدار ويجبر على القسمة ، ومتى قسمت فإن وقع البيت المقر به في نصيب المقر دفعه إلى المقر له ; لأن الإقرار قد صح وتسليم عين المقر به ممكن ، فيؤمر بالتسليم ، وإن وقع في نصيب شريكه يدفع إليه قدر ذرع المقر به من نصيب نفسه ، فيقسم ما أصابه بينه وبين المقر له ، فيضرب المقر له بذرع البيت ويضرب المقر بنصف ذرع الدار بعد البيت ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف - عليهما الرحمة - وقال محمد - رحمه الله - يضرب المقر بنصف ذرع الدار كما قالا ، ولكن المقر له يضرب بنصف ذرع البيت لا بكله ، حتى لو كان ذرع الدار مائة ، وذرع البيت عشرة ، فتقسم الدار بينهما نصفين ، يكون للمقر له عشرة أذرع عندهما ; لأنه جميع ذرع البيت والباقي - وهو خمسة وأربعون - للمقر ; لأنه نصف ذرع الدار بعد ذرع البيت ، وعند محمد - رحمه الله - يكون للمقر له خمسة أذرع ، إذ هو نصف ذرع البيت المقر به .

( وجه ) قول محمد - رحمه الله - أن الإقرار صادف محلا معينا مشتركا بينه وبين غيره ; لأن كل جزأين من الدار أحدهما له ، والآخر لصاحبه على الشيوع فيبطل في نصيب صاحبه ويصح في نصيبه ، وذلك يوجب للمقر له نصف ذرع البيت .

( وجه ) قولهما أن الإقرار بالمشترك لا يتعلق بالعين قبل القسمة بل هو موقوف ، وإنما يتعلق بهما بعد القسمة ، ألا ترى أنه لم يمنع صحة القسمة ، ولو تعلق بالعين لمنع ، فإذا قسمت الدار الآن يتعلق بالعين ، فإن وقع المقر به في نصيب المقر يؤمر بالتسليم ; لأنه قادر على تسليم العين وإن وقع في نصيب صاحبه فقد عجز عن تسليم عينه فيؤمر بتسليم بدله من نصيبه ، وهو تمام ذرع المقر به ، هذا إذا كان المقر به شيئا يحتمل القسمة ، فإن كان مما لا يحتمل القسمة ، كبيت من حمام مشتركة بينه وبين غيره أقر أنه لرجل وأنكر صاحبه فيصح إقراره ، ولكن يجبر على قسمته ; لأن قسمة الإضرار فيما لا يحتمل الجبر على ما ذكرناه في موضعه ، ويلزمه نصف قيمة البيت ; لأنه عجز عن تسليم العين والإقرار بعين معجوز التسليم يكون إقرارا ببدله تصحيحا لتصرفه ، وصيانة لحق الغير بالقدر الممكن ، كالإقرار بجذع في الدار ، والله - تعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث