الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الشرائط التي ترجع إلى المقذوف به

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الذي يرجع إلى المقذوف به فنوعان : أحدهما - أن يكون القذف بصريح الزنا وما يجري مجرى الصريح ، وهو نفي النسب فإن كان بالكناية - لا يوجب الحد ; لأن الكناية محتملة والحد لا يجب مع الشبهة ، فمع الاحتمال أولى ، وبيان هذه الجملة في مسائل : إذا قال لرجل : يا زاني أو قال : زنيت ، أو قال أنت زاني - يحد ، لأنه أتى بصريح القذف بالزنا ، ولو قال : يا زانئ ( بالهمز ) أو : زنأت ( بالهمز ) - يحد ، ولو قال : عنيت به الصعود في الجبل - لا يصدق ، لأن العامة لا تفرق بين المهموز والملين ، وكذا من العرب من يهمز الملين فبقي مجرد النية ، فلا يعتبر ، ولو قال : زنأت في الجبل - يحد ، ولو قال : عنيت به الصعود في الجبل لا يصدق في قولهما ، وعند محمد - رحمه الله - يصدق ، ولو قال : زنأت على الجبل ، وقال : عنيت به الصعود - لا يصدق بالإجماع .

( وجه ) قول محمد - رحمه الله - أن الزنا الذي هو فاحشة ملين يقال : زنى يزني زنى ، والزنا الذي هو صعود مهموز ، يقال : زنأ يزنأ زنئا ، وقال الشاعر

وارق إلى الخيرات زنئا في الجبل

وأراد به الصعود إلا أنه إذا لم يقل عنيت به الصعود - حمل على الزنا المعروف ; لأن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفا وعادة ، وإذا قال عنيت به الصعود فقد عنى به ما هو موجب اللفظ لغة فلزم اعتباره .

( وجه ) قولهما أن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفا وعادة ، والعامة لا تفصل بين المهموز والملين بل تستعمل المهموز ملينا والملين مهموزا ، فلا يصدق في الصرف عن المتعارف ، كما إذا قال : زنيت في الجبل ، وقال عنيت به الصعود ، أو : زنأت ولم يذكر الجبل ، إلا أنه استعمل كلمة " في " مكان كلمة " على " ، وأنه جائز ، قال الله سبحانه وتعالى { ولأصلبنكم في جذوع النخل } أي على جذوع النخل ومن مشايخنا من علل لهما بأن المهموز منه يحتمل معنى الملين وهو الزنا المعروف ; لأن من العرب من يهمز الملين فيتعين معنى الملين بدلالة الحال وهي حال الغضب ; لأن المسألة مقصورة فيها ، وإذا قال : زنأت على الجبل ، وقال عنيت به الصعود - لم يصدق ; لأنه لا تستعمل كلمة " على " في الصعود ، فلا يقال : صعد على الجبل ، وإنما يقال : صعد في الجبل .

ولو قال لرجل : يا ابن الزاني - فهو قاذف لأبيه ، كأنه قال : أبوك زاني ، ولو قال : يا ابن الزانية - فهو قاذف لأمه ، كأنه قال : أمك زانية ، ولو قال : يا ابن الزاني والزانية - فهو قاذف لأبيه وأمه ، كأنه قال : أبواك زانيان ، ولو قال : يا ابن الزنا أو يا ولد الزنا - كان قذفا ; لأن معناه في عرف الناس وعادتهم أنك مخلوق من ماء الزنا ، ولو قال : يا ابن الزانيتين - يكون قذفا ، ويعتبر إحصان أمه التي ولدته لا إحصان جدته ، حتى لو كانت أمه مسلمة فعليه الحد ، وإن كانت [ ص: 43 ] جدته كافرة وإن كانت أمه كافرة - فلا حد عليه ، وإن كانت جدته مسلمة ; لأن أمه في الحقيقة والدته والجدة تسمى أما مجازا .

وكذلك لو قال : يا ابن مائة زانية ، أو يا ابن ألف زانية - يكون قاذفا لأمه ، ويعتبر في الإحصان حال الأم ; لما قلنا ، ويكون المراد من العدد المذكور عدد المرات لا عدد الأشخاص ، أي أمك زنت مائة مرة أو ألف مرة ، ولو قال : يا ابن القحبة لم يكن قاذفا ; لأن هذا الاسم كما يطلق على الزانية يستعمل على المهيأة المستعدة للزنا وإن لم تزن ، فلا يجعل قذفا مع الاحتمال ، وكذلك لو قال : يا ابن الدعية ; لأن الدعية هي المرأة المنسوبة إلى قبيلة لا نسب لها منهم ، وهذا لا يدل على كونها زانية ; لجواز ثبوت نسبها من غيرهم .

ولو قال لرجل : يا زاني فقال الرجل : لا ، بل أنت الزاني ، أو قال : لا ، بل أنت - يحدان جميعا ; لأن كل واحد منهما قذف صاحبه صريحا ، ولو قال لامرأة : يا زانية ، فقالت : زنيت بك - لا حد على الرجل ; لأن المرأة صدقته في القذف ، فخرج قذفه من أن يكون موجبا للحد ، وتحد المرأة ; لأنها قذفته بالزنا نصا ولم يوجد منه التصديق ، ولو قال لامرأة : يا زانية ، فقالت زنيت معك - لا حد على الرجل ، ولا على المرأة ، أما على الرجل ; فلوجود التصديق منها إياه .

وأما على المرأة ; فلأن قولها زنيت معك يحتمل أن يكون المراد منه زنيت بك ، ويحتمل أن يكون معناه زنيت بحضرتك ، فلا يجعل قذفا مع الاحتمال ، ولو قال لامرأته : يا زانية ، فقالت لا ، بل أنت - حدت المرأة حد القذف ، ولا لعان على الرجل ; لأن كل واحد من الزوجين قذف صاحبه ، وقذف المرأة يوجب حد القذف ، وقذف الزوج امرأته يوجب اللعان ، وكل واحد منهما حد .

وفي البداية بحد المرأة إسقاط الحد عن الرجل ; لأن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان ، والمحدود في القذف لا شهادة له ونظير هذا ما قالوا فيمن قال لامرأته : يا زانية بنت الزانية ، فخاصمت الأم أولا فحد الزوج حد القذف - سقط اللعان ; لأنه بطلت شهادته ، ولو خاصمت المرأة أولا فلاعن القاضي بينهما ، ثم خاصمت الأم - يحد الرجل حد القذف ، ولو قال لامرأته : يا زانية ، فقالت زنيت بك - لا حد ولا لعان ; لأنه يحتمل أنها أرادت بقولها زنيت بك أي قبل النكاح ويحتمل أنها أرادت أي ما مكنت من الوطء غيرك فإن كان ذلك زنا فهو زنا ; لأن هذا متعارف فإن أرادت الأول - لا يجب اللعان ، ويجب الحد ; لأنها أقرت بالزنا وإن أرادت به الثاني - يجب اللعان ; لأن الزوج قذفها بالزنا ، وهي لم تصدقه فيما قذفها به ; ولا حد عليها فوقع الاحتمال في ثبوت كل واحد منهما فلا يثبت ، ولو قال لامرأة : أنت زانية ، فقالت المرأة : أنت أزنى مني - يحد الرجل .

ولا تحد المرأة ، أما الرجل ; فلأنه قذفها بصريح الزنا ولم يوجد منها التصديق .

وأما المرأة ; فلأن قولها : أنت أزنى مني يحتمل أنها أرادت به النسبة إلى الزنا على الترجيح ، ويحتمل أنها أرادت أنت أقدر على الزنا وأعلم به مني ، فلا يحمل على القذف مع الاحتمال ، وكذلك إذا قال لإنسان : أنت أزنى الناس ، أو أزنى الزناة ، أو أزنى من فلان - لا حد عليه ; لما قلنا

وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين قوله : أزنى الناس ، وبين قوله : أزنى مني أو من فلان ، فقال في الأول : يحد ، وفي الثاني : لا يحد .

( ووجه ) الفرق له أن قوله : أنت أزنى الناس ، أمكن حمله على ما يقتضيه ظاهر الصيغة وهو الترجيح في وجود فعل الزنا منه ; لتحقق الزنا من الناس في الجملة فيحمل عليه ، وقوله : أنت أزنى مني أو من فلان ، لا يمكن حمله على الترجيح في وجود الزنا ; لجواز أنه لم يوجد الزنا منه أو من فلان ، فيحمل على الترجيح في القدرة أو العلم ، فلا يكون قذفا بالزنا ، ولو قال لرجل : زنيت وفلان معك - كان قاذفا لهما ; لأنه قذف أحدهما وعطف الآخر عليه بحرف " الواو " وأنها للجمع المطلق ، فكان مخبرا عن وجود الزنا من كل واحد منهما .

رجلان استبا فقال أحدهما لصاحبه : ما أبي بزان ولا أمي بزانية ، لم يكن هذا قذفا ; لأن ظاهره نفي الزنا عن أبيه وعن أمه ، إلا أنه قد يكني بهذا الكلام عن نسبة أب صاحبه وأمه إلى الزنا .

لكن القذف على سبيل الكناية والتعريض لا يوجب الحد ، ولو قال لرجل : أنت تزني لا حد عليه ; لأن هذا اللفظ يستعمل للاستقبال ويستعمل للحال ، فلا يجعل قذفا مع الاحتمال ، وكذلك لو قال : أنت تزني وأنا - أضرب الحد ; لأن مثل هذا الكلام في عرف الناس لا يدل على قصد القذف ، وإنما يدل على طريق ضرب المثل على الاستعجاب أن كيف تكون العقوبة على إنسان والجناية من غيره ؟ كما قال الله تبارك وتعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولو قال لامرأة : ما رأيت زانية خيرا منك ، أو قال لرجل : ما رأيت زانيا خيرا منك - لم يكن قذفا ; لأنه ما جعل [ ص: 44 ] هذا المذكور خير الزناة ، وإنما جعله خيرا من الزناة .

وهذا لا يقتضي وجود الزنا منه ، ولو قال لامرأة : زنى بك زوجك قبل أن يتزوجك - فهو قاذف ; فإنه نسب زوجها إلى زنا حصل منه قبل التزوج في كلام موصول فيكون قذفا ، ولو قال لامرأة : وطئك فلان وطئا حراما ، أو جامعك حراما ، أو فجر بك ، أو قال لرجل : وطئت فلانة حراما ، أو باضعتها أو جامعتها حراما - فلا حد عليه ; لأنه لم يوجد منه القذف بالزنا بل بالوطء الحرام .

ويجوز أن يكون الوطء حراما ولا يكون زنا ، كالوطء بشبهة ونحو ذلك ، ولو قال لغيره : اذهب إلى فلان فقل له : يا زاني أو يا ابن الزانية - لم يكن المرسل قاذفا ; لأنه أمر بالقذف ولم يقذف .

وأما الرسول فإن ابتدأ فقال - لا على وجه الرسالة : يا زاني أو يا ابن الزانية - فهو قاذف وعليه الحد ، وإن بلغه على وجه الرسالة بأن قال : أرسلني فلان إليك وأمرني أن أقل لك : يا زاني أو يا ابن الزانية - لا حد عليه ; لأنه لم يقذف بل أخبر عن قذف غيره ، ولو قال لآخر : أخبرت أنك زان أو أشهدت على ذلك - لم يكن قاذفا ; لأنه حكى خبر غيره بالقذف وإشهاد غيره بذلك ، فلم يكن قاذفا ، ولو قال لرجل : يا لوطي - لم يكن قاذفا بالإجماع ; لأن هذا نسبه إلى قوم لوط فقط ، وهذا لا يقتضي أنه يعمل عملهم وهو اللواط ، ولو أفصح وقال : أنت تعمل عمل قوم لوط ، وسمى ذلك - لم يكن قاذفا عند أبي حنيفة أيضا .

وعندهما هو قاذف بناء على أن هذا الفعل ليس بزنا عند أبي حنيفة ، وعندهما هو في معنى الزنا ، والمسألة مرت في موضعها ، ولو قال لرجل : يا زاني ، فقال له آخر : صدقت - يحد القاذف ولا حد على المصدق .

أما الأول ; فلوجود القذف الصريح منه .

وأما المصدق ; فلأن قوله : صدقت قذف بطريق الكناية ، ولو قال : صدقت هو كما قلت - يحد ; لأن هذا في معنى الصريح ، ولو قال لرجل : أخوك زان ، فقال الرجل : لا ، بل أنت - يحد الرجل ; لأن كلمة " لا بل " ; لتأكيد الإثبات ، فقد قذف الأول بالزنا على سبيل التأكيد .

وأما الأول فينظر إن كان للرجل إخوة أو أخوان سواه - فلا حد عليه ، وإن لم يكن له إلا أخ واحد - فله أن يطالبه بالحد ، وليس لهذا الأخ المخاطب أن يطالبه ; لما ذكرنا فيما تقدم ، ولو قال : لست لأبيك - فهو قاذف لأمه ، سواء قال في غضب أو رضا ; لأن هذا الكلام لا يذكر إلا لنفي النسب عن الأب ، فكان قذفا لأمه ، ولو قال : ليس هذا أبوك ، أو قال : لست أنت ابن فلان لأبيه ، أو قال : أنت ابن فلان لأجنبي ، إن كان في حال الغضب - فهو قذف ، وإن كان في غير حال الغضب - فليس بقذف ; لأن هذا الكلام قد يذكر لنفي النسب وقد يذكر لنفي التشبه في الأخلاق ، أي أخلاقك لا تشبه أخلاق أبيك ، أو أخلاقك تشبه أخلاق فلان الأجنبي ، فلا يجعل قذفا مع الشك والاحتمال .

وكذلك إذا قال لرجل : يا ابن مزيقيا ، أو يا ابن ماء السماء - أنه يكون قذفا في حالة الغضب لا في حالة الرضا ; لأنه يحتمل أنه أراد به نفي النسب ، ويحتمل أنه أراد به المدح بالتشبيه برجلين من سادات العرب ، فعامر بن حارثة كان يسمى ماء السماء ; لصفائه وسخائه ، وعمرو بن عامر كان يسمى المزيقيا ; لمزقه الثياب ، إذ كان ذا ثروة ونخوة ، كان يلبس كل يوم ثوبا جديدا ، فإذا أمسى خلعه ومزقه ; لئلا يلبسه غيره فيساويه ، فيحكم الحال في ذلك ، فإن كان في حال الغضب فالظاهر أنه أراد به نفي النسب ; فيكون قذفا ، وإن كان في حال الرضا فالظاهر أنه أراد به المدح ; فلم يكن قذفا ، ولو قال لرجل : أنت ابن فلان لعمه أو لخاله ، أو لزوج أمه - لم يكن قذفا ; لأن العم يسمى أبا .

وكذلك الخال وزوج الأم ، قال الله سبحانه وتعالى { قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل } وإسماعيل كان عم يعقوب عليه الصلاة والسلام وقد سماه أباه ، وقال سبحانه وتعالى { ورفع أبويه على العرش } وقيل : إنهما أبوه وخالته وإذا كانت الخالة أما - كان الخال أبا ، وقال الله تعالى { إن ابني من أهلي } قيل في التفسير : إنه كان ابن امرأته من غيره ، ولو قال : لست بابن لفلان لجده - لم يكن قاذفا ; لأنه صادق في كلامه حقيقة ; لأن الجد لا يسمى أبا حقيقة بل مجازا ، ولو قال للعربي : يا نبطي - لم يكن قذفا ، وكذلك إذا قال : لست من بني فلان ، للقبيلة التي هو منها - لم يكن قاذفا عند عامة العلماء .

وقال ابن أبي ليلى : يكون قذفا ، والصحيح قول العامة ; لأن بقوله : يا نبطي ; لم يقذفه ، ولكنه نسبه إلى غير بلده ، كمن قال للبلدي : يا رستاقي ، وكذلك إذا قال : يا ابن الخياط ، أو يا ابن الأصفر أو الأسود ، وأبوه ليس كذلك - لم يكن قاذفا بل يكون كاذبا ، وكذلك إذا قال : يا ابن الأقطع ، أو يا ابن الأعور ، وأبوه ليس كذلك - يكون كاذبا لا قاذفا ، كما إذا قال للبصير : يا أعمى ، ثم القذف بلسان العرب وغيره سواء ويجب الحد ; لأن معنى القذف هو النسبة إلى الزنا ، وهذا يتحقق بكل لسان ، والله - تعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث