الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        الحول معتبر في زكاة التجارة بلا خلاف ، والنصاب معتبر أيضا بلا خلاف . لكن في وقت اعتباره ، ثلاثة أوجه ، وعبر عنها إمام الحرمين والغزالي بأقوال ، والصحيح أنها أوجه . الأول منها منصوص ، والآخران مخرجان ، فالأول : الأصح أنه يعتبر في آخر الحول فقط ، والثاني : يعتبر في أوله وآخره دون وسطه ، والثالث : يعتبر في جميع الحول ، حتى لو نقصت قيمته عن النصاب في لحظة ، انقطع الحول ، فإن كمل بعد ذلك ، ابتدأ الحول من يومئذ . فإذا قلنا بالأصح ، فاشترى عرضا للتجارة بشيء يسير ، انعقد الحول عليه ، ووجبت فيه الزكاة إذا بلغت قيمته نصابا آخر الحول ، وإذا احتملنا نقصان النصاب في غير آخر الحول ، فذلك في حق من تربص بسلعته حتى تم الحول وهي نصاب . فأما لو باعها بسلعة أخرى في أثناء الحول ، فوجهان ، أحدهما : ينقطع الحول ويبتدئ [ ص: 268 ] حول السلعة الأخرى من حين ملكها ، وأصحهما أن الحكم كما لو تربص بسلعته ، ولا أثر للمبادلة في أموال التجارة . ولو باعها في أثناء الحول بنقد دون النصاب ، ثم اشترى به سلعة فتم الحول وقيمتها نصاب - فوجهان . قال الإمام : والخلاف في هذه الصورة أمثل منه في الأولى ؛ لتحقق النقصان حسا ، ورأيت المتأخرين يميلون إلى انقطاع الحول . ولو باعها بالدراهم ، والحال تقتضي التقويم بالدنانير ، فهو كبيع السلعة بالسلعة .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو تم الحول وقيمة سلعته دون النصاب ، فوجهان أصحهما : يسقط حكم الحول الأول ، ويبتدئ حولا ثانيا ، والثاني : لا ينقطع ، بل متى بلغت قيمته نصابا ، وجبت الزكاة ، ثم يبتدئ حولا ثانيا .

                                                                                                                                                                        فرع في بيان ابتداء حول التجارة

                                                                                                                                                                        مال التجارة تارة يملكه بنقد ، وتارة بغيره ، فإن ملكه بنقد ، نظر ، إن كان نصابا بأن اشترى بعشرين دينارا أو بمائتي درهم ، فابتداء الحول من حين ملك ذلك النقد ، ويبنى حول التجارة عليه ، هذا إذا اشترى بعين النصاب ، أما إذا اشترى بنصاب في الذمة ثم نقده في ثمنه ، فينقطع حول النقد ، ويبتدئ حول التجارة من حين الشراء ، وإن كان النقد الذي هو رأس المال دون النصاب ، ابتدأ الحول من حين ملك عرض التجارة إذا قلنا : لا يعتبر النصاب في أول الحول ، ولا خلاف أنه لا يحسب الحول قبل الشراء للتجارة ؛ لأن المشترى [ ص: 269 ] به لم يكن مال زكاة لنقصه . أما إذا ملك بغير نقد فله حالان ، أحدهما : أن يكون ذلك العرض مما لا زكاة فيه ، كالثياب والعبيد ، فابتداء الحول من حين ملك مال التجارة إن كان قيمة العرض نصابا ، أو كانت دونه وقلنا بالأصح : إن النصاب لا يعتبر إلا في آخر الحول ، والثاني : أن يكون مما تجب فيه الزكاة ، بأن ملكه بنصاب من السائمة ، فالصحيح الذي قطع به جماهير الأصحاب أن حول الماشية ينقطع ، ويبتدئ حول التجارة من حين ملك مال التجارة ، ولا يبني ، لاختلاف الزكاتين قدرا ووقتا ، وقال الإصطخري : يبني على حول السائمة ، كما لو ملك بنصاب من النقد . ثم زكاة التجارة والنقد يبني حول كل واحد منهما على الأخرى ، فإذا باع مال تجارة بنقد بنية القنية بنى حول النقد على حول التجارة ، كما يبني التجارة على النقد .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية