الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( فصل ) .

                                                                                                                                وأما بيان أحكام البغاة فالكلام فيه في مواضع : في تفسير البغاة ، وفي بيان ما يلزم إمام أهل العدل عند خروجهم عليه ، وفي بيان ما يصنع بهم وبأموالهم عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم ، وفي بيان من يجوز قتله منهم ، ومن لا يجوز ، وفي بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين ، وفي بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين ، وفي بيان حكم قضاياهم أما تفسير البغاة ، فالبغاة هم الخوارج ، وهم قوم من رأيهم أن كل ذنب كفر ، كبيرة كانت أو صغيرة ، يخرجون على إمام أهل العدل ، ويستحلون القتال والدماء والأموال بهذا التأويل ، ولهم منعة وقوة .

                                                                                                                                وأما بيان ما يلزم إمام العدل عند خروجهم فنقول - وبالله التوفيق : إن علم الإمام أن الخوارج يشهرون السلاح ويتأهبون للقتال ، فينبغي له أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ، ويحدثوا توبة ; لأنه لو تركهم لسعوا في الأرض بالفساد ، فيأخذهم على أيديهم ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يبدءوه ; لأن قتالهم لدفع شرهم لا لشر شركهم لأنهم مسلمون ، فما لم يتوجه الشر منهم لا يقاتلهم ، وإن لم يعلم الإمام بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال فينبغي له أن يدعوهم إلى العدل ، والرجوع إلى رأي الجماعة أولا لرجاء الإجابة وقبول الدعوة ، كما في حق أهل الحرب .

                                                                                                                                وكذا روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه لما خرج عليه أهل حروراء ندب إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليدعوهم إلى العدل ، فدعاهم وناظر هم ، فإن أجابوا كف عنهم وإن أبوا قاتلهم ; لقوله تعالى { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } وكذا قاتل سيدنا علي رضي الله عنه أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة رضي الله عنهم تصديقا لقوله عليه الصلاة والسلام لسيدنا علي { إنك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل } والقتال على التأويل هو القتال مع الخوارج ، ودل الحديث على إمامة سيدنا علي رضي الله عنه ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام شبه قتال سيدنا علي رضي الله عنه على التأويل بقتاله على التنزيل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتاله بالتنزيل ، فلزم أن يكون سيدنا علي محقا في قتاله بالتأويل ، فلو لم يكن إمام حق لما كان محقا في قتاله إياهم ، ولأنهم ساعون في الأرض بالفساد فيقتلون دفعا للفساد على وجه الأرض .

                                                                                                                                وإن قاتلهم قبل الدعوة لا بأس بذلك ; لأن الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار الإسلام ، ومن المسلمين أيضا ويجب على كل من دعاه الإمام إلى قتالهم أن يجيبه إلى ذلك ولا يسعه التخلف إذا كان عنده غنى وقدرة ; لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض ، فكيف فيما هو طاعة ؟ والله - سبحانه وتعالى الموفق وما روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا وقعت الفتنة بين المسلمين فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة ، ويلزم بيته ، محمول على وقت خاص ، وهو أن لا يكون إمام يدعوه إلى القتال وأما إذا كان فدعاه يفترض عليه الإجابة لما ذكرنا .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية