الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إطعام الطعام من الإسلام

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 38 ] فصل

خرج البخاري ومسلم :

12 12 - من حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : " تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " .

التالي السابق


وخرجه مسلم أيضا .

جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام ، وإفشاء السلام .

وفي " المسند " عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : " لين الكلام ، وإطعام الطعام " .

ومراده : الإسلام التام الكامل .

وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان . وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان أيضا فضلا .

وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين

فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى .

[ ص: 39 ] وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ; لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل ، وهو أكمل الإحسان .

وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ; فمن أتى بفرائض الإسلام ، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس - كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل أيضا .

وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ، ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ; فإن إطعام الطعام وإفشاء السلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .

وقد زعم الحليمي وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه ، وفي وقت دون وقت ، أو لشخص دون شخص . ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء ، لا خيرها مطلقا .

وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر . ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له : يا خير البرية ! فقال : " ذاك إبراهيم " .

وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع .

ولكن هذا يقرب من قول من تأول " أفضل " بمعنى " فاضل " ، وقال : إن " أفعل " لا تقتضي المشاركة ، وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه .

[ ص: 40 ] وحكي عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل .

وقوله : " وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " - هذا أفضل أنواع إفشاء السلام .

وفي " المسند " عن ابن مسعود مرفوعا : " إن من أشراط الساعة السلام بالمعرفة " .

ويخرج من عموم ذلك من لا تجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث