الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أحكام المرتدين

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 68 ] باب أحكام المرتدين . قال ( وإذا ارتد المسلم عن الإسلام والعياذ بالله عرض عليه الإسلام ، فإن كانت له شبهة كشفت عنه ) لأنه عساه اعترته شبهة فتزاح ، وفيه دفع شره بأحسن الأمرين ، إلا أن العرض على ما قالوا غير واجب ; لأن الدعوة بلغته . قال ( ويحبس ثلاثة أيام ، فإن أسلم وإلا قتل . وفي الجامع الصغير : المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أبى قتل ) وتأويل الأول أنه يستمهل فيمهل ثلاثة أيام [ ص: 69 ] لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار . وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يستحب أن يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب . وعن الشافعي أن على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام ، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك ; لأن ارتداد المسلم يكون عن شبهة ظاهرا فلا بد من مدة يمكنه التأمل فقدرناها بالثلاثة . ولنا قوله تعالى { فاقتلوا المشركين } من غير قيد الإمهال ، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام { من بدل دينه فاقتلوه } ولأنه كافر حربي بلغته الدعوة فيقتل للحال من غير استمهال ، وهذا ; لأنه لا يجوز تأخير الواجب لأمر موهوم ، ولا فرق بين الحر والعبد لإطلاق الدلائل .

[ ص: 70 ] وكيفية توبته أن يتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام ; لأنه لا دين له ، ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه لحصول المقصود .

التالي السابق


( باب أحكام المرتدين ) لما فرغ من بيان أحكام الكفر الأصلي شرع في بيان أحكام الكفر الطارئ . والمرتد : هو الراجع عن دين الإسلام . ( قوله : وإذا ارتد المسلم عن الإسلام والعياذ بالله عرض عليه الإسلام ، فإن كانت له شبهة ) أبداها ( كشفت عنه ; لأنه عساه اعترته ) أي عرضت له ( شبهة فتزاح عنه ، وفيه دفع شره بأحسن الأمرين ) وهما القتل والإسلام وأحسنهما الإسلام . ولما كان ظاهر كلام القدوري وجوب العرض قال : ( إلا أن العرض على ما قالوا ) أي المشايخ ( غير واجب ) بل مستحب ( لأن الدعوة قد بلغته ) وعرض الإسلام هو الدعوة إليه ، ودعوة من بلغته الدعوة غير واجبة بل مستحبة ( قوله : ويحبس ثلاثة أيام ، فإن أسلم ) فيها ( وإلا قتل ) وهذا اللفظ أيضا من القدوري يوجب وجوب الإنظار ثلاثة أيام على ما عرف من الأخبار في مثله ، فذكر عبارة الجامع وهو قوله : ( وفي الجامع الصغير : المرتد يعرض عليه الإسلام ، فإن أبى قتل ) أي مكانه فإنه يفيد أن إنظاره الأيام الثلاثة [ ص: 69 ] ليس واجبا ولا مستحبا .

وإنما تعينت الثلاثة ( لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار ) بدليل حديث حبان بن منقذ { في الخيار ثلاثة أيام } ضربت للتأمل لدفع الغبن ، وقصة موسى صلى الله عليه وسلم مع العبد الصالح { إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني } وهي الثالثة إلى قوله { قد بلغت من لدني عذرا } وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا أتاه من قبل أبي موسى فقال له : هل من مغربة خبر ؟ فقال نعم . رجل ارتد عن الإسلام فقتلناه ، فقال له : هلا حبستموه في بيت ثلاثة أيام وأطعمتموه في كل يوم رغيفا لعله يتوب ، ثم قال : اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض . أخرجه مالك في الموطإ ، لكن ظاهر تبري عمر رضي الله عنه يقتضي الوجوب .

ثم قال المصنف : ( تأويل الأول ) وهو قول القدوري الدال على وجوب إمهال الأيام الثلاثة ( أن يستمهل فيمهل ) وظاهر المبسوط الوجوب فإنه قال إذا طلب التأجيل أجل ثلاثة أيام ; لأن الظاهر أنه دخل عليه شبهة فيجب علينا إزالة تلك الشبهة ، أو أنه يحتاج إلى التفكر ; ليتبين له الحق فلا بد من المهلة ، وإذا استمهل كان على الإمام أن يمهله ، ومدة النظر جعلت في الشرع ثلاثة أيام كما في الخيار ، ثم قال في حديث عمر المذكور الدال على الوجوب : تأويله أنه لعله طلب التأجيل ( وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يستحب أن يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب . وعن الشافعي أن على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام ، ولا يحل قتله قبلها ; لأن ارتداد المسلم يكون عن شبهة ظاهرا فلا بد من مدة يمكنه فيها التأمل فقدرناها بثلاثة أيام ) لما ذكرنا .

والصحيح من قول الشافعي أنه إن تاب في الحال وإلا قتل ; لحديث معاذ رضي الله عنه ، وقوله صلى الله عليه وسلم { من بدل دينه فاقتلوه } من غير تقييد بإنظار وهو اختيار ابن المنذر ، وهذا إن أريد به عدم وجوب الإنظار فكمذهبنا ، والاستدلال مشترك ، ومن الأدلة أيضا قوله تعالى { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وهذا كافر حربي ، وإن كان أريد به نفي استحباب الإمهال فنقول هذه الأوامر مطلقة وهي لا تقتضي الفور فيجوز التأخير على ما عرف ، ثم ثبت وجوبه بحديث عمر رضي الله عنه . وقول المصنف : ( وهذا ; لأنه لا يجوز تأخير الواجب لأمر موهوم ) ليس بجيد إذ يقتضي كراهة الإمهال ثلاثة أيام ، وهو يخالف المذهب ويخالف ما ذكرنا من أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور إلا إذا خيف الفوات . فإن قيل : لا نسلم أن الأوامر المذكورة مطلقة بل مفيدة للعموم للفاء في قوله " فاقتلوه " ; لأنها تفيد الوصل والتعقيب . قلنا : تلك الفاء العاطفة وهي فاء السبب . فإن قيل : فتفيد الوصل باعتبار أن المعلول لا يتأخر عن العلة . قلنا : المعلول وهو الحكم الشرعي وهو إيجاب قتله لم يتأخر عن علته المثيرة له وهي كفره ، وأما إيجاب الامتثال على الفور فشيء آخر .

( ولا فرق ) في وجوب قتل المرتد ( بين كون المرتد حرا أو عبدا ) وإن كان يتضمن قتله إبطال حق المولى بالإجماع ( وإطلاق الدلائل ) [ ص: 70 ] التي ذكرناها ( وكيفية توبته أن يتبرأ عن الأديان كلها سوى دين الإسلام ; لأنه لا دين له ) قيل هو أن يقول تبت ورجعت إلى دين الإسلام وأنا بريء من كل دين غير دين الإسلام . قيل لكن هذا بعد أن يأتي بالشهادتين . والإقرار بالبعث والنشور مستحب ، وبه قالت الأئمة الثلاثة . ( ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه لحصول المقصود ) وفي شرح الطحاوي : سئل أبو يوسف عن الرجل كيف يسلم ؟ فقال : يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، ويقر بما جاء به من عند الله ، ويتبرأ من الدين الذي انتحله ، وإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال : ولم أدخل في هذا الدين قط وأنا بريء منه : أي من الدين الذي ارتد إليه فهي توبة انتهى .

وقوله : قط يريد به معنى أبدا ; لأن قط ظرف لما مضى لا لما يستقبل . وفي شرح الطحاوي : إسلام النصراني أن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، ويتبرأ من النصرانية ، واليهودي كذلك يتبرأ من اليهودية ، وكذا في كل ملة . وأما مجرد الشهادتين فلا يكون مسلما ; لأنهم يقولون بذلك غير أنهم يدعون خصوص الرسالة إلى العرب فيصدق أنه رسول الله ولا يتم الإسلام به ، هذا فيمن بين أظهرنا منهم . وأما من في دار الحرب لو حمل عليه مسلم فقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مسلم ، أو قال دخلت في دين الإسلام أو في دين محمد صلى الله عليه وسلم فهو دليل إسلامه ، فكيف إذا أتى بالشهادتين ; لأن في ذلك الوقت ضيقا . وقوله هذا إنما أراد به الإسلام الذي يدفع عنه القتل الحاضر فيحمل عليه ويحكم به بمجرد ذلك فلو ارتد بعد ذلك قتلناه .

ولو ارتد بعد إسلامه ثانيا قبلنا توبته أيضا وكذا ثالثا ورابعا ، إلا أن الكرخي قال : فإن عاد بعد الثالثة يقتل إن لم يتب في الحال ولا يؤجل ، فإن تاب ضربه ضربا وجيعا ولا يبلغ به الحد ثم يحبسه ولا يخرجه حتى يرى عليه خشوع التوبة وحال المخلص فحينئذ يخلي سبيله ، فإن عاد بعد ذلك فعل به كذلك أبدا ما دام يرجع إلى الإسلام قال الكرخي : هذا قول أصحابنا جميعا أن المرتد يستتاب أبدا ، وما ذكر الكرخي مروي في النوادر قال : إذا تكرر ذلك منه يضرب ضربا مبرحا ثم يحبس إلى أن تظهر توبته ورجوعه انتهى . وذلك لإطلاق قوله تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } وعن ابن عمر وعلي رضي الله عنهم : لا تقبل توبة من كرر ردته كالزنديق ، وهو قول مالك وأحمد والليث لقوله تعالى { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } الآية .

. قلنا : رتب عدم المغفرة على شرط قوله تعالى { ثم ازدادوا كفرا } وفي الدراية قال : في الزنديق لنا [ ص: 71 ] روايتان : في رواية لا تقبل توبته كقول مالك وأحمد ، وفي رواية تقبل كقول الشافعي ، وهذا في حق أحكام الدنيا ، أما فيما بينه وبين الله جل ذكره إذا صدق قبله سبحانه وتعالى بلا خلاف ، وما عن أبي يوسف : لو فعل ذلك مرارا يقتل غيلة ، فسره بأن ينتظر فإذا أظهر كلمة الكفر قتل قبل أن يستتاب ; لأنه ظهر منه الاستخفاف ، وقتل الكافر الذي بلغته الدعوة قبل الاستتابة جائز .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث