الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة ، فقد يكون مما أدركوا [ ص: 67 ] نظيره بحسهم وعقلهم ، كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عادا ، فإن عادا من جنسهم والريح من جنس ريحهم ، وإن كانت أشد . وكذلك غرق فرعون في البحر ، وكذا بقية الأخبار عن الأمم الماضية . ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا ، كما قال تعالى : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ( يوسف : 111 ) . وقد يكون الذي يخبر به الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه . كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر ، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركا وشبها بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم . فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد ، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كامله ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب ، أشهدهم إياه ، وأشار لهم إليه ، وفعل قولا يكون حكاية له وشبها به ، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة .

فينبغي أن تعرف هذه الدرجات :

أولها : إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة .

وثانيها : عقله لمعانيها الكلية .

وثالثها : تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية . فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب . فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق [ ص: 68 ] المشهودة والاشتباه الذي بينهما ، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة . ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق ، كما تقدم في قصص الأمم ، وإن لم يكن مثلها ، بين ذلك بذكر الفارق ، بأن يقال : ليس ذلك مثل هذا ، ونحو ذلك . وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق ، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك ، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط .

التالي السابق


الخدمات العلمية