الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب افتراض الصلاة ومتى كان

جزء التالي صفحة
السابق

باب افتراضها ومتى كان

392 - ( عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان } متفق عليه ) .

التالي السابق


قوله : ( على خمس ) في بعض الروايات خمسة بالهاء وكلاهما صحيح ، فالمراد برواية الهاء خمسة أركان أو أشياء أو نحو ذلك ، وبرواية حذف الهاء خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو نحو ذلك . قوله : ( شهادة ) بالجر على البدل ويجوز رفعه خبرا لمبتدأ محذوف وتقديره أحدها أو منها . قوله : ( وإقام الصلاة ) أي المداومة عليها . والحديث يدل على أن كمال الإسلام وتمامه بهذه الخمس ، فهو كخباء أقيم على خمسة أعمدة ، وقطبها الذي يدور عليه الأركان الشهادة وبقية شعب الإيمان كالأوتاد للخباء . فظهر من هذا التمثيل أن الإسلام غير الأركان كما في البيت غير الأعمدة والأعمدة غيره ، وهذا مستقيم على مذهب أهل السنة ; لأن الإسلام عندهم التصديق بالقول والعمل . والحديث أورده عبد الله بن عمر في جواب من قال له ألا تغزو ؟ فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ ص: 354 ] بني الإسلام " الحديث . فاستدل به على خمس ليس هو منها . قال النووي في شرح مسلم : اعلم أن هذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده وقد جمع أركانه .

393 - ( وعن أنس بن مالك قال : { فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات ليلة أسري به خمسين ، ثم نقصت حتى جعلت خمسا ، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي ، وإن لك بهذه الخمس خمسين } رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ) . الحديث في الصحيحين بلفظ : " هي خمس " وبلفظ : " هن خمس وهن خمسون " والمراد أنها خمس في العدد خمسون في الأجر والاعتداد . والحديث طرف من حديث الإسراء الطويل . وقد استدل به على عدم فرضية ما زاد على الخمس الصلوات كالوتر ، وعلى دخول النسخ في الإنشاءات ، ولو كانت مؤكدة ، خلافا لقوم فيما أكد . وعلى جواز النسخ قبل الفعل ، وإليه ذهبت الأشاعرة .

قال ابن بطال وغيره في بيان وجه الدلالة : ألا ترى أنه - عز وجل - نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب ، وتعقبه ابن المنير فقال : هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح ، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة أو منعه كالمعتزلة ، لكونهم اتفقوا جميعا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ فهو مشكل عليهم جميعا ، قال : وهذه نكتة مبتكرة . قال الحافظ في الفتح : قلت إن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع ، وإن أراد قبل البلاغ إلى الأمة فمسلم ، ولكن قد يقال : ليس هو بالنسبة إليهم نسخا لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه كلف بذلك قطعا ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل ، فالمسألة صحيحة التصوير في حقه صلى الله عليه وسلم .

394 - ( وعن عائشة رضي الله عنها قالت : { فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الأول } رواه أحمد والبخاري ) . زاد أحمد من طريق ابن كيسان إلا المغرب : ( فإنها كانت ثلاثا ) . والحديث يدل على وجوب القصر ، وأنه عزيمة لا رخصة ، وقد أخذ بظاهره الحنفية والهادوية ، واحتج مخالفوهم بقوله سبحانه - { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } - ونفي الجناح لا يدل على العزيمة ، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه .

قالوا : ويدل على أنه رخصة قوله صلى الله عليه وسلم : { صدقة تصدق الله بها عليكم } وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول [ ص: 355 ] عائشة غير مرفوع ، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة ، قاله الخطابي وغيره . قال الحافظ : وفي هذا الجواب نظر ، أما أولا : فهو مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع ، وأما ثانيا : فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي وهو حجة ; لأنه يحتمل أن يكون أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر أدرك ذلك . وأما قول إمام الحرمين : لو كان ثابتا لنقل متواترا ففيه نظر ; لأن التواتر في مثل هذا غير لازم . وقالوا أيضا : يعارض حديث عائشة هذا حديث ابن عباس : { فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين } أخرجه مسلم .

والجواب أنه يمكن الجمع بين حديث عائشة وابن عباس فلا تعارض وذلك بأن يقال : إن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب ، ثم زيدت بعد الهجرة إلا الصبح كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة قالت { فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واطمأن ، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان ، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة ، وصلاة المغرب ; لأنها وتر النهار } . انتهى

ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة . ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند : إن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول آية الخوف كان فيها .

وقيل : كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية ذكره الدولابي ، وأورده السهيلي بلفظ بعد الهجرة بعام أو نحوه . وقيل : بعد الهجرة بأربعين يوما ، فعلى هذا : المراد بقول عائشة : ( فأقرت صلاة السفر ) أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف . والمصنف ساق الحديث للاستدلال به على فرضية الصلاة لا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة ، ولعله يأتي تحقيق ما هو الحق في باب صلاة السفر - إن شاء الله تعالى - .

395 - ( وعن طلحة بن عبيد الله { أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال : يا رسول الله أخبرني ما فرض الله علي من الصلاة ؟ قال : الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا ، قال : أخبرني ما فرض الله علي من الصيام ؟ قال : شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا ، قال : أخبرني ما فرض الله علي من الزكاة ؟ قال : فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام كلها ، فقال : والذي أكرمك لا أطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق ، أو دخل الجنة إن صدق } متفق عليه ) . [ ص: 356 ] الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي ومالك في الموطإ وغير هؤلاء . قوله : ( أن أعرابيا ) في رواية جاء رجل " زاد أبو داود " من أهل نجد " وكذا في مسلم والموطإ . قوله : ( ثائر الرأس ) هو مرفوع على الوصف على رواية " جاء رجل " ويجوز نصبه على الحال ، والمراد أن شعره متفرق من ترك الرفاهية ، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة ، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغة ، أو ; لأن الشعر منه ينبت .

قوله : ( إلا أن تطوع ) بتشديد الطاء والواو وأصله تتطوع بتاءين فأدغمت إحداهما ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما . قوله : ( والذي أكرمك ) وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند البخاري " والله " . قوله ( : أفلح إن صدق ) وقع عند مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر " أفلح وأبيه إن صدق ، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق " ولأبي داود مثله . فإن قيل : ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء ؟ .

أجيب عن ذلك بأنه كان قبل النهي ، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف ، أو فيه إضمار اسم الرب كأنه قال : ورب أبيه ، أو أنه خاص ويحتاج إلى دليل . وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال : هو تصحيف وإنما كان والله فقصرت اللامان ، واستنكره القرطبي ، وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ ( وأبيه ) لم تصح ، وكأنه لم يرتض الجواب فعدل إلى رد الخبر وهو صحيح لا مرية فيه . قال الحافظ : وأقوى الأجوبة الأولان . والحديث يدل على فرضية الصلاة وما ذكر معها على العباد .

قال المصنف رحمه الله: وفيه مستدل لمن لم يوجب صلاة الوتر ولا صلاة العيد انتهى .

وقد أوجب قوم الوتر ، وآخرون ركعتي الفجر ، وآخرون صلاة الضحى ، وآخرون صلاة العيد ، وآخرون ركعتي المغرب ، وآخرون صلاة التحية ، ومنهم من لم يوجب شيئا من ذلك وجعل هذا الحديث صارفا لما ورد بعده من الأدلة المشعرة بالوجوب .

وفي الحديث أيضا دليل على عدم وجوب صوم عاشوراء وهو إجماع ، وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة وفيه غير ذلك .

وفي جعل هذا الحديث دليلا على عدم وجوب ما ذكر نظر عندي ; لأن ما وقع في مبادئ التعليم لا يصح التعلق به في صرف ما ورد بعده وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة ، وإنه خرق للإجماع وإبطال لجمهور الشريعة ، فالحق أنه يؤخذ بالدليل المتأخر إذا ورد موردا صحيحا ويعمل بما يقتضيه من وجوب أو ندب أو نحوهما ، وفي المسألة خلاف ، وهذا أرجح القولين ، والبحث مما ينبغي لطالب الحق أن يمعن النظر فيه ويطيل التدبر ، فإن معرفة الحق فيه من أهم المطالب العلمية لما ينبني عليه من المسائل البالغة إلى حد يقصر عنه العد .

وقد أعان الله وله الحمد على جمع رسالة في خصوص هذا المبحث ، وقد أشرت إلى هذه القاعدة في عدة مباحث في غير هذا الباب وهذا موضع عرض ذكرها فيه . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث