الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              كتاب الديات

                                                                                                                                                                              باب ذكر مبلغ دية الحر المسلم من الإبل

                                                                                                                                                                              قال الله ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ) .

                                                                                                                                                                              ودلت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل .

                                                                                                                                                                              9393 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي حدرد الأسلمي ، عن أبيه ، قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إلى بطن إضم ، وفي تلك السرية أبو قتادة الأنصاري ، ومحلم بن جثامة بن قيس ، وأنا فيهم ، فبينا نحن ببعضه إذ مر بنا عامر بن الأضبط - أو الأنباط - الأشجعي فسلم علينا بتحية الإسلام ، فأمسكنا عنه ، فحمل عليه محلم بن جثامة فقتله ، وسلبه بعيرا له ، ومتيعا له ، ووطبا من لبن كان معه ، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فينا القرآن ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) [ ص: 140 ] إلى قوله : ( بما تعملون خبيرا ) . [ ص: 141 ]

                                                                                                                                                                              [ ص: 142 ] .

                                                                                                                                                                              9394 - وقال محمد بن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث عروة بن الزبير ، قال : سمعت أبي وجدي - وكانا قد شهدا حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - [قالا ] : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [الظهر ] ، ثم جلس إلى ظل شجرة ، فقام إليه الأقرع بن حابس ، وعيينة بن بدر يطلب بدم الأشجعي - وهو يومئذ سيد قيس - وابن حابس يدفع عن محلم بن جثامة قال : فاختصما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالا : فسمعنا رسول الله يقول : "تأخذون الدية خمسين في سفرنا وخمسين إذا رجعنا " . قال : يقول عيينة بن بدر : والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرارة ما أذاق نسائي . قال : فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بل تأخذون الدية " . قال : فلم يزل بهم حتى قبلوها ، فلما قبلوها قالوا : أين صاحبكم يستغفر له رسول الله ؟ قال : فقام رجل آدم طوال عليه حلة له قد تهيأ فيها للقتل ، حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله : "ما اسمك ؟ " قال : أنا محلم بن جثامة . قال : فقال رسول الله : "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة " . قال : فقام من بين يدي رسول الله وهو يتلقى دمعه ببعض ردائه . [ ص: 143 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : في هذا الحديث دليل على أن الدية مائة من الإبل ، وعلى إيجاب القود على القاتل عمدا ، إن لم يعف عنه الولي ، وعلى أن الدية في قتل العمد حالة .

                                                                                                                                                                              9395 - حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا الحكم بن موسى ، قال : حدثنا يحيى بن حمزة ، عن سليمان بن داود ، قال : حدثني الزهري ، عن أبي بكر بن محمد [بن ] عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات ، وبعث به مع عمرو بن حزم ، فقرئت على أهل اليمن وهذه نسختها ، وكان في كتابه : وأن في النفس مائة من الإبل . [ ص: 144 ]

                                                                                                                                                                              وفي حديث عبد الله بن عمرو ، وقد ذكرته بإسناده في باب شبه العمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط أو العصا مئة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها) .

                                                                                                                                                                              وأجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مئة من الإبل .

                                                                                                                                                                              وأجمعوا على أن ديات الرجال الأحرار سواء أعجمهم وعربيهم غنيهم وفقيرهم ، لا فرق بينهم في الديات .

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل ، فقالت طائفة : على أهل الذهب الذهب ، وعلى أهل الفضة الفضة . [ ص: 145 ]

                                                                                                                                                                              فممن روي عنه أنه قال : على أهل الذهب ألف دينار : عمر بن الخطاب وعروة بن الزبير وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي .

                                                                                                                                                                              9396 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن الشعبي ، أن عمر بن الخطاب جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف .

                                                                                                                                                                              وقال قتادة ، ومالك ، وأهل المدينة : على أهل الذهب ألف دينار .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة : دية الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها ، كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا قال الشافعي .

                                                                                                                                                                              وقال عطاء : كانت الدية الإبل ، حتى كان عمر بن الخطاب فجعلها لما غلت الإبل عشرين ومائة (كل) بعير .

                                                                                                                                                                              وكان طاوس يقول : على الناس أجمعين أهل القرية وأهل البادية مائة من الإبل ، فمن لم يكن عنده إبل ، فعلى أهل الورق [ ص: 146 ] الورق ، وعلى أهل البقر البقر ، وعلى أهل الغنم الغنم ، وعلى أهل البز البز . قال : يعطون من أي صنف كان بقيمة الإبل ما كانت إن ارتفعت أو انخفضت فقيمتها يومئذ .

                                                                                                                                                                              وقد حكي عن الأوزاعي أنه قال : دية النفس مائة من الإبل كاملة .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه جعل الدية مائة من الإبل ، ولا نعلم خبرا ثابتا عنه أنه فرض الدية من غير الإبل ، فالذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب القول به ، والوقوف عن استعمال ما سوى ذلك ، إلا على معنى القيمة التي جعلها عمر بن الخطاب ، فإن أعوزوا الإبل كانت القيمة حينئذ ، فأما والإبل موجودة فغير جائز والله أعلم .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : لم يختلف الذين ألزموا أهل الذهب الذهب أن الدية من الذهب ألف دينار ، واختلفوا فيما على أهل الفضة : فقالت فرقة : على أهل الورق عشرة آلاف درهم . كذلك قال سفيان الثوري والنعمان وصاحباه ، وبه قال أبو ثور . وحكي ذلك عن ابن شبرمة وعبيد الله بن الحسن .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة : على أهل الورق اثني عشر ألفا .

                                                                                                                                                                              هكذا قال الحسن البصري ، وعروة بن الزبير ، ومالك بن أنس ، [ ص: 147 ] وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .

                                                                                                                                                                              واختلف الإخبار عن عمر في هذا الباب ، فذكر الشعبي أن عمر جعل الدية على أهل الورق عشرة آلاف . وقد احتج بعض من رأى أن الدية من الورق اثنا عشر ألفا :

                                                                                                                                                                              9397 - بحديث محمد بن مسلم الطائفي ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثنا عشر ألفا . وذلك قوله : ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) .

                                                                                                                                                                              حدثناه إبراهيم بن إسحاق ، قال : حدثنا محمد بن سنان العوفي ، عن محمد بن مسلم .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : والصحيح عندهم عمرو ، عن عكرمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم . . [ ص: 148 ]

                                                                                                                                                                              حدثناه إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة . ليس فيه ابن عباس .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : وبلغني أن حديث ابن عيينة رواه محمد بن ميمون المكي ، عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس وهذا وهم عندهم ، فلو ثبت لقلنا به .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية