الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ( 9 ) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ( 10 ) )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : انظر يا محمد إلى هؤلاء المشركين الذين شبهوا لك الأشباه بقولهم لك : هو مسحور ، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ، وأخطئوا طريق الهدى والرشاد ، فلا يستطيعون يقول : فلا يجدون سبيلا إلى الحق ، إلا فيما بعثتك به ، ومن الوجه الذي ضلوا عنه .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) أي التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا ، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهدى في غيره .

وقال آخرون في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( فلا يستطيعون سبيلا ) قال : مخرجا يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك .

وقوله : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ) يقول تعالى ذكره : تقدس الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك .

واختلف أهل التأويل في المعني ب : " ذلك " التي في قوله : ( جعل لك خيرا من ذلك ) فقال [ ص: 242 ] بعضهم : معنى ذلك : خيرا مما قال هؤلاء المشركون لك يا محمد : هلا أوتيته وأنت لله رسول ، ثم بين تعالى ذكره عن الذي لو شاء جعل له من خير مما قالوا ، فقال : ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) .

ذكر من قال ذلك .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) خيرا مما قالوا .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) قال : مما قالوا وتمنوا لك ، فيجعل لك مكان ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار .

وقال آخرون : عني بذلك المشي في الأسواق ، والتماس المعاش .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، فيما يرى الطبري ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : ثم قال : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) من أن تمشي في الأسواق ، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس ، ( جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) .

قال أبو جعفر : والقول الذي ذكرناه عن مجاهد في ذلك أشبه بتأويل الآية ، لأن المشركين إنما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها ، وأن لا يلقى إليه كنز واستنكروا أن يمشي في الأسواق ، وهو لله رسول ، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير مما كان عند المشركين عظيما ، لا مما كان منكرا عندهم ، وعني بقوله : ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) بساتين تجري في أصول أشجارها الأنهار .

كما حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) قال : حوائط .

وقوله : ( ويجعل لك قصورا ) يعني بالقصور : البيوت المبنية .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

[ ص: 243 ] ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : قال أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( ويجعل لك قصورا ) قال : بيوتا مبنية مشيدة ، كان ذلك في الدنيا ، قال : كانت قريش ترى البيت من الحجارة قصرا كائنا ما كان .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( ويجعل لك قصورا ) مشيدة في الدنيا ، كل هذا قالته قريش . وكانت قريش ترى البيت من حجارة ما كان صغيرا قصرا .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ، ولا يعطى من بعدك ، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله تعالى ، فقال : " اجمعوها لي في الآخرة " ، فأنزل الله في ذلك ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية