الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل فمن يملك لكم من الله شيئا

قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا

أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول لهم ما فيه رد أمرهم إلى الله ليعلمهم أن استغفاره الله لهم لا يكره الله على المغفرة بل الله يفعل ما يشاء إذا أراده فإن كان أراد بهم نفعا نفعهم وإن كان أراد بهم ضرا ضرهم فما كان من النصح لأنفسهم أن يتورطوا فيما لا يرضي الله ثم يستغفرونه . فلعله لا يغفر لهم ، فالغرض من هذا تخويفهم من عقاب ذنبهم إذ تخلفوا عن نفير النبيء - صلى الله عليه وسلم - وكذبوا في الاعتذار ليكثروا من التوبة وتدارك الممكن كما دل عليه قوله - تعالى - بعده قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم الآية .

فمعنى إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا هنا الإرادة التي جرت على وفق علمه - تعالى - من إعطائه النفع إياهم أو إصابته بضر وفي هذا الكلام توجيه بأن [ ص: 163 ] تخلفهم سبب في حرمانهم من فضيلة شهود بيعة الرضوان وفي حرمانهم من شهود غزوة خيبر بنهيه عن حضورهم فيها .

ومعنى الملك هنا : القدرة والاستطاعة ، أي لا يقدر أحد أن يغير ما أراده الله وتقدم نظير هذا التركيب في قوله تعالى قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم في سورة العقود .

والغالب في مثل هذا أن يكون لنفي القدرة على تحويل الشر خيرا كقوله ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا . فكان الجري على ظاهر الاستعمال مقتضيا الاقتصار على نفي أن يملك أحد لهم شيئا إذا أراد الله ضرهم دون زيادة أو أراد بكم نفعا ، فتوجه هذه الزيادة أنها لقصد التتميم والاستيعاب ، ونظيره قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة في سورة الأحزاب . وقد مضى قريب من هذا في قوله - تعالى - قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله في سورة الأعراف ، فراجعه .

وقرأ الجمهور " ضرا " بفتح الضاد ، وقرأه حمزة والكسائي بضمها وهما بمعنى ، وهو مصدر فيجوز أن يكون هنا مرادا به معنى المصدر ، أي إن أراد أن يضركم أو ينفعكم . ويجوز أن يكون بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، أي إن أراد بكم ما يضركم وما ينفعكم .

ومعنى تعلق " أراد " به أنه بمعنى أراد إيصال ما يضركم أو ما ينفعكم .

وهذا الجواب لا عدة فيه من الله بأن يغفر لهم إذ المقصود تركهم في حالة وجل ليستكثروا من فعل الحسنات . وقصدت مفاتحتهم بهذا الإبهام لإلقاء الوجل في قلوبهم أن لا يغفر لهم ثم سيتبعه بقوله ولله ملك السماوات والأرض الآية الذي هو أقرب إلى الإطماع .

و ( بل ) في قوله بل كان الله بما تعملون خبيرا إضراب لإبطال قولهم شغلتنا أموالنا وأهلونا . وبه يزداد مضمون قوله يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم تقريرا لأنه يتضمن إبطالا لعذرهم ، ومن معنى الإبطال يحصل بيان [ ص: 164 ] الإجمال الذي في قوله كان الله بما تعلمون خبيرا إذ يفيد أنه خبير بكذبهم في الاعتذار فلذلك أبطل اعتذارهم بحرف الإبطال .

وتقديم بما تعملون على متعلقه لقصد الاهتمام بذكر عملهم هذا . وماصدق ( ما تعملون ) ما اعتقدوه وما ماهوا به من أسباب تخلفهم عن نفير الرسول وكثيرا ما سمى القرآن الاعتقاد عملا . وفي قوله وكان الله بما تعملون خبيرا تهديد ووعيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث