الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ . (97) قوله تعالى : فيه آيات : يجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال : إما من ضمير "وضع " ، وفيه ما تقدم من الإشكال ، وإما من الضمير في "ببكة " وهو واضح ، وهذا على رأي من يجيز تعدد الحال لذي حال واحد ، وإما من الضمير في "للعالمين " ، وإما من "هدى " ، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في "مباركا " . ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب نعتا لهدى بعد نعته بالجار قبله ، [ ص: 317 ] ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، وإنما جيء بها بيانا وتفسيرا لبركته وهداه ، ويجوز أن تكون الحال أو الوصف على ما مر تفصيله هو الجار والمجرور فقط ، و "آيات " مرفوع بها على سبيل الفاعلية ، لأن الجار متى اعتمد على أشياء ذكرتها في أول هذا الموضوع رفع الفاعل ، وهذا أرجح من جعلها جملة من مبتدأ وخبر ، لأن هذه الأشياء - أعني الحال والنعت والخبر - أصلها أن تكون مفردة فما قرب منها كان أولى ، والجار قريب من المفرد ، ولذلك تقدم المفرد ثم الظرف ثم الجملة فيما ذكرت ، وعليه الآية الكريمة : وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه فقدم الوصف بالمفرد وهو "مؤمن " ، وثنى بما قرب منه وهو " من آل فرعون " ، وثلث بالجملة وهي " يكتم إيمانه " ، وقد جاء في الظاهر عكس هذا ، وسأوضح هذه المسألة إن شاء الله عند قوله : يحبهم ويحبونه أذلة .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا فيه أوجه ، أحدها أن "مقام " بدل من "آيات " ، وعلى هذا يقال : إن النحويين نصوا على أنه متى ذكر جمع لا يبدل منه إلا ما يوفي بالجمع فتقول : "مررت برجال زيد وعمرو وبكر " لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة ، فإن لم يوف قالوا : وجب القطع عن البدلية : إما إلى النصب بإضمار فعل ، وإما إلى الرفع على مبتدأ محذوف الخبر ، كما تقول في المثال المتقدم : "زيدا وعمرا " أي أعني زيدا وعمرا ، أو "زيد وعمرو " أي : منهم زيد وعمرو ، ولذلك أعربوا قول النابغة الذبياني :


                                                                                                                                                                                                                                      1358 - توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع [ ص: 318 ]     رماد ككحل العين لأيا أبينه
                                                                                                                                                                                                                                      ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع



                                                                                                                                                                                                                                      على القطع المتقدم ، أي : فمنها رماد ونؤي ، وكذا قوله تعالى : حديث الجنود فرعون وثمود أي : أعني أو أذم فرعون وثمود ، على أنه قد يقال : إن المراد بفرعون وثمود هما ومن تبعهما من قومهما ، فذكرهما واف بالجمعية ، وفي الآية الكريمة هنا لم يذكر بعد الآيات إلا شيئان : المقام وأمن داخله ، فكيف يكون بدلا ؟ وهذا الإشكال أيضا وارد على قول من جعله خبر مبتدأ محذوف أي : هي مقام إبراهيم كيف يخبر عن الجمع باثنين ؟ .

                                                                                                                                                                                                                                      وفيه أجوبة ، أحدها : أن أقل الجمع اثنان كما ذهب إليه بعضهم ، قال الزمخشري : "ويجوز أن يراد : فيه آيات : مقام إبراهيم وأمن من دخله ، لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة " . الثاني : أن "مقام إبراهيم " وإن كان مفردا لفظا إلا أنه يشتمل على آيات كثيرة ، لأن أثر القدمين في الصخرة الصماء آية ، وغوصهما فيها إلى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية ، وإبقاؤه على مر الزمان ، وحفظه من الأعداء آية ، واستمراره دون آيات سائر الأنبياء - خلا نبينا صلى الله عليه وعلى سائرهم - آية ، قال معناه الزمخشري . الثالث : أن يكون هذا من باب الطي ، وهو أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت على ذكر باقيه لغرض للمتكلم ويسمى طيا ، وأنشد الزمخشري عليه قول جرير :

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 319 ]

                                                                                                                                                                                                                                      1359 - كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم     من العبيد وثلث من مواليها



                                                                                                                                                                                                                                      وأورد منه قوله عليه الصلاة والسلام : " حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء ، وقرة عيني في الصلاة " ذكر اثنين وهما الطيب والنساء ، وطوى ذكر الثالثة ، لا يقال : إن الثالثة قوله : "وقرة عيني في الصلاة " لأنها ليست من دنياهم ، إنما هي من الأمور الأخروية ، وفائدة الطي عندهم تكثير ذلك الشيء ، كأنه تعالى لما ذكر من جملة الآيات هاتين الآيتين قال : وكثير سواهما . وقال ابن عطية : "والأرجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالا مما في حرم الله تعالى من الآيات ، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم " .

                                                                                                                                                                                                                                      الوجه الثاني : أن يكون " مقام إبراهيم " عطف بيان ، قاله الزمخشري ورد عليه الشيخ هذا من جهة تخالفهما تعريفا وتنكيرا فقال : "قوله مخالف لإجماع البصريين والكوفيين فلا يلتفت إليه ، وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت فيتبعون النكرة النكرة والمعرفة المعرفة ، وتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي ، وأما البصريون فلا يجوز عندهم إلا أن يكونا معرفتين ، ولا يجوز أن يكونا نكرتين ، وكل شيء أورده الكوفيون مما يوهم جواز كونه عطفا جعله البصريون بدلا ، ولم يقم دليل للكوفيين " . قلت : وهذه المسألة ستأتي إن شاء [ ص: 320 ] الله محررة عند قوله تعالى : من ماء صديد وعند قوله تعالى : من شجرة مباركة زيتونة .

                                                                                                                                                                                                                                      ولما أعرب الزمخشري مقام إبراهيم وأمن داخله بالتأويل المذكور اعترض على نفسه بما ذكرته من إبدال غير الجمع من الجمع ، وأجاب بما تقدم ، واعترض أيضا على نفسه ، بأنه كيف تكون الجملة عطف بيان للأسماء المفردة ؟ فقال : "فإن قلت : كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان ، وقوله ومن دخله كان آمنا جملة مستأنفة : إما ابتدائية وإما شرطية ؟ قلت : أجزت ذلك من حيث المعنى ، لأن قوله ومن دخله كان آمنا دل على أمن من دخله ، فكأنه قيل : "فيه آيات بينات : مقام إبراهيم وأمن من دخله " ألا ترى أنك لو قلت : "فيه آية بينة : من دخله كان آمنا " صح ، لأن المعنى : فيه آية بينة أمن من دخله " . قال الشيخ : " وليس بواضح لأن تقديره وأمن الداخل هو مرفوع عطفا على "مقام إبراهيم " وفسر بهما الآيات ، والجملة من قوله : ومن دخله كان آمنا لا موضع لها من الإعراب فتدافعا ، إلا إن اعتقد أن ذلك معطوف محذوف يدل عليه ما بعده ، فيمكن التوجيه ، فلا يجعل قوله ومن دخله كان آمنا في معنى "وأمن داخله " إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب "وهي مشاحة لا طائل تحتها ، ولا تدافع فيما ذكر ، لأن الجملة متى كانت في تأويل المفرد صح عطفها عليه ، ثم المختار أن يكون قوله " مقام إبراهيم "خبر مبتدأ مضمر ، لا كما قدروه حتى يلزم الإشكال المتقدم ، بل تقدره : أحدها مقام إبراهيم ، وهذا هو الوجه [ ص: 321 ] الثالث . و " من "يجوز أن تكون شرطية وأن تكون موصولة ، ولا يخفى الكلام عليهما مما تقدم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ أبي وعمر وابن عباس وأبو جعفر ومجاهد : " آية بينة "بالتوحيد ، وتخريج " مقام "على الأوجه المتقدمة سهل : من كونها بدلا أو بيانا عند الزمخشري ، أو خبر مبتدأ محذوف ، وهذا البدل متفق عليه ؛ لأن البصريين يبدلون من النكرة مطلقا ، والكوفيون لا يبدلون منها إلا بشرط وصفها وقد وصفت .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : من استطاع فيه ستة أوجه ، أحدها أن " من "بدل من " الناس "بدل بعض من كل ، وبدل البعض وبدل الاشتمال لا بد في كل منهما من ضمير يعود على المبدل منه نحو : أكلت الرغيف ثلثه ، وسلب زيد ثوبه ، وهنا ليس ضمير ، فقيل : هو محذوف تقديره : من استطاع منهم . الثاني : أنه بدل كل من كل ، إذ المراد بالناس المذكورين خاص ، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الذي قبله يقال فيه : عام مخصوص ، وهذا يقال فيه : عام أريد به الخاص ، وهو فرق واضح ، وهاتان العبارتان مأخوذتان من عبارة الإمام الشافعي رضي الله عنه . الثالث : أنها خبر مبتدأ مضمر تقديره : هو من استطاع . الرابع : أنها مصدرية بإضمار فعل أي : أعني من استطاع ، وهذان الوجهان في الحقيقة مأخوذان من وجه البدل ، فإن كل ما جاز إبداله مما قبله جاز قطعه إلى الرفع أو النصب المذكورين آنفا . الخامس : أن " من "فاعل بالمصدر وهو " حج "والمصدر مضاف لمفعوله ، والتقدير : ولله على الناس أن [ ص: 322 ] يحج من استطاع منهم سبيلا البيت ، وهذا الوجه قد رده جماعة من حيث الصناعة ومن حيث المعنى : أما من حيث الصناعة فلأنه إذا اجتمع فاعل ومفعول مع المصدر العامل فيهما فإنما يضاف المصدر لمرفوعه دون منصوبه فيقال : يعجبني ضرب زيد عمرا ، ولو قلت : " ضرب عمرو زيد "لم يجز إلا في ضرورة كقوله :


                                                                                                                                                                                                                                      1360 - أفنى تلادي وما جمعت من نشب     قرع القواقيز أفواه الأباريق



                                                                                                                                                                                                                                      يروى بنصب "أفواه " على إضافة المصدر وهو "قرع " إلى فاعله ، وبالرفع على إضافته إلى مفعوله ، وقد جوزه بعضهم في الكلام على ضعف ، والقرآن لا يحمل على ما في الضرورة ولا على ما فيه ضعف . وأما من حيث المعنى فلأنه يؤدي إلى تكليف الناس جميعهم مستطيعهم وغير مستطيعهم أن يحج مستطيعهم ، فيلزم من ذلك تكليف غير المستطيع بأن يحج المستطيع وهو غير جائز ، وقد التزم بعضهم هذا ، وقال : نعم نقول بموجبه ، وأن الله تعالى كلف الناس ذلك ، حتى لو لم يحج المستطيعون لزم غير المستطيعين أن يأمروهم بالحج حسب الإمكان ؛ لأن إحجاج الناس إلى الكعبة وعرفة فرض واجب . و "من " على الأوجه الخمسة موصولة بمعنى الذي . السادس : أنها شرطية والجزاء محذوف يدل عليه ما تقدم أو هو نفس المتقدم على رأي ، ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط على الناس [ ص: 323 ] تقديره : من استطاع منهم إليه سبيلا فلله عليه أن يحج ، ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده وهو قوله : ومن كفر فإن الله غني عن العالمين .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ولله على الناس حج البيت جملة من مبتدأ وخبر وهو قوله "لله " ، و "على الناس " متعلق بما تعلق [به ] الخبر أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في الجار ، والعامل فيه أيضا ذلك الاستقرار المحذوف ، ويجوز أن يكون "على الناس " هو الخبر ، و "لله " متعلق بما تعلق به الخبر ، ويمتنع فيه أن يكون حالا من الضمير في "على الناس " وإن كان العكس جائزا كما تقدم ، والفرق أنه يلزم هنا تقديم الحال على العامل المعنوي ، والحال لا تتقدم على العامل المعنوي بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي للاتساع فيهما ، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك يجوز تقديمها على العامل المعنوي إذا كانت هي ظرفا أو حرف جر والعامل كذلك ، ومسألتنا في الآية الكريمة من هذا القبيل .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ الأخوان وحفص عن عاصم : "حج " بكسر الحاء ، والباقون بفتحها ، فقيل : لغتان بمعنى ، والكسر لغة نجد والفتح لغة أهل العالية ، وفرق سيبويه فجعل المكسور مصدرا أو اسما للعمل ، وأما المفتوح فمصدر فقط . وقد تقدم في البقرة أنه قرئ في الشاذ بكسر الحاء ، وتكلمت هناك على هاتين اللفظتين وما ذكر الناس فيهما واشتقاق المادة فأغنى عن إعادته ولله الحمد والمنة .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد جيء في هذه الآية بمبالغات كثيرة منها قوله : ولله على الناس [ ص: 324 ] حج البيت يعني أنه حق واجب عليهم لله في زمانهم لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته . ومنها أنه ذكر "الناس " ثم أبدل منهم من استطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من التأكيد ، أحدهما : أن الإبدال تثنية المراد وتكرير له ، والثاني : أن التفصيل بعد الإجمال والإيضاح بعد الإبهام إيراد في صورتين مختلفتين ، قاله الزمخشري على عادة فصاحته وتخليصه المعنى بأقرب لفظ .

                                                                                                                                                                                                                                      والألف واللام في "البيت " للعهد لتقدم ذكره ، وهو علم بالغلبة كالثريا والصعق ، فإذا قيل "زار البيت " لم يتبادر الذهن إلا إلى الكعبة شرفها الله تعالى ، وقال الشاعر :


                                                                                                                                                                                                                                      1361 - لعمري لأنت البيت أكرم أهله     وأقعد في أفنائه بالأصائل



                                                                                                                                                                                                                                      أنشد الشيخ هذا البيت في هذا المعرض وفيه نظر ، إذ ليس في الظاهر الكعبة . والضمير في "إليه " الظاهر عوده على الحج لأنه محدث عنه ، والثاني : عوده على البيت "وإليه " متعلق باستطاع ، و "سبيلا " مفعول به لأن "استطاع " متعد ، قال : لا يستطيعون نصركم إلى غيره من الآيات .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : ومن كفر يجوز أن تكون الشرطية وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون الموصولة ، ودخلت الفاء شبها للموصول باسم الشرط وقد تقدم تقريره غير مرة ، ولا يخفى حال الجملتين بعدها بالاعتبارين المذكورين . ولا بد من رابط بين [ ص: 325 ] الشرط وجزائه أو المبتدأ وخبره ، ومن جوز إقامة الظاهر مقام المضمر اكتفى بذلك في قوله : فإن الله غني عن العالمين كأنه قال : غني عنهم .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية