الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون

( قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )

قوله تعالى : ( قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) [ ص: 152 ] .

اعلم أنه سبحانه لما كرر في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما تقدم أتبعه بقوله : ( قل إنما أنذركم بالوحي ) أي بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أن ذلك من قبلي بل الله آتيكم به ، وأمرني بإنذاركم فإذا قمت بما ألزمني ربي فلم يقع منكم القبول والإجابة فالوبال عليكم يعود ، ومثلهم من حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من إنذاره مع كثرته وتواليه بالصم الذين لا يسمعون أصلا إذ الغرض بالإنذار ليس السماع بل التمسك به في إقدام على واجب وتحرز عن محرم ومعرفة بالحق ، فإذا لم يحصل هذا الغرض صار كأنه لم يسمع . قال صاحب " الكشاف " : قرئ ولا تسمع الصم الدعاء بالتاء والياء أي لا تسمع أنت أو لا يسمع رسول الله أو لا يسمع الصم من أسمع ، فإن قلت : الصم لا تسمع دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر ، فكيف قال ( إذا ما ينذرون ) ؟ قلت : اللام في الصم إشارة إلى هؤلاء المنذرين ، كائنة للعهد لا للجنس ، والأصل ولا يسمعون الدعاء إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصاممهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا أي هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامم عن آيات الإنذار . ثم بين تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون وهذا هو المراد بقوله : ( ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين ) وأصل النفح من الريح اللينة ، والمعنى ولئن مسهم شيء قليل من عذاب الله كالرائحة من الشيء دون جسمه لتنادوا بالويل واعترفوا على أنفسهم بالظلم . قال صاحب " الكشاف " في المس والنفحة ثلاث مبالغات : لفظ المس وما في النفح من معنى القلة والنزارة ، يقال : نفحته الدابة وهو رمح يسير ونفحه بعطية رضخه ، ولفظ المرة ، ثم بين سبحانه وتعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلا فهم وإن ظلموا أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة ، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى : ( ونضع الموازين القسط ) وصفها الله تعالى بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيما وقد يكون بخلافه ، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط ، وأكد ذلك بقوله : ( فلا تظلم نفس شيئا ) وههنا مسائل :

المسألة الأولى : معنى وضعها إحضارها ، قال الفراء : القسط صفة الموازين وإن كان موحدا ، وهو كقولك للقوم : أنتم عدل ، وقال الزجاج : ونضع الموازين ذوات القسط وقوله : ( ليوم القيامة ) قال الفراء : في يوم القيامة وقيل لأهل يوم القيامة .

المسألة الثانية : في وضع الموازين قولان : أحدهما : قال مجاهد : هذا مثل والمراد بالموازين العدل ، ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن القسط بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعني أن حسناته تذهب بسيئاته ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد ( خفت موازينه ) [الأعراف : 9] أي أن سيئاته تذهب بحسناته ، حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما . الثاني : وهو قول أئمة السلف أنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية فتوزن بها الأعمال ، وعن الحسن : هو ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل عليه السلام . ويروى : " أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ، فلما أفاق قال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ، فقال : يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة " ثم على هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان . أحدهما : أن توزن صحائف الأعمال . والثاني : يجعل في [ ص: 153 ] كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة ، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة ، فإن قيل : أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه سبحانه وتعالى عادلا غير ظالم أو لا يعلمون ذلك ، فإن علموا ذلك كان مجرد حكمه كافيا في معرفة أن الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا يكون في وضع الميزان فائدة البتة ، وإن لم يعلموا لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف لاحتمال أنه سبحانه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلما ، فثبت أن وضع الميزان على كلا التقديرين خال عن الفائدة . وجوابه على قولنا قوله تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [الأنبياء : 23] وأيضا ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق ، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم ، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره . إذا ثبت هذا فنقول : الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز ، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز ، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب .

المسألة الثالثة : قال قوم : إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى : ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) [الكهف : 105] ، والجواب : أنه لا يكرمهم ولا يعظمهم .

المسألة الرابعة : إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم ، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث