الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر حال المثنى بن حارثة بالعراق

وأما المثنى بن حارثة الشيباني فإنه لما ودع خالد بن الوليد ، وسار خالد إلى الشام فيمن معه بالجند ، أقام بالحيرة ووضع المسلحة وأذكى العيون ، واستقام أمر فارس بعد مسير خالد من الحيرة بقليل ، وذلك سنة ثلاث عشرة ، على شهريران بن أردشير بن شهريار سابور ، فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف ، فخرج المثنى من الحيرة نحوه وعلى مجنبتيه المعنى ومسعود أخواه ، فأقام ببابل ، وأقبل هرمز نحوه ، وكتب كسرى شهريران إلى المثنى كتابا : إني قد بعثت إليكم جندا من وخش أهل فارس ، إنما هم رعاء الدجاج والخنازير ، ولست أقاتلك إلا بهم . فكتب إليه المثنى : إنما أنت أحد رجلين : إما باغ ، فذلك شر لك وخير لنا ، وإما كاذب ، فأعظم الكاذبين فضيحة عند الله وفي الناس الملوك ، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما أضررتم إليهم ، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير .

فجزع الفرس من كتابه ، فالتقى المثنى وهرمز ببابل فاقتتلوا قتالا شديدا ، وكان فيلهم يفرق المسلمين ، فانتدب له المثنى ومعه ناس فقتلوه ، وانهزم الفرس وتبعهم المسلمون إلى المدائن يقتلونهم . ومات شهريران لما انهزم هرمز جاذويه ، واختلف أهل فارس ، وبقي ما دون دجلة بيد المثنى .

ثم اجتمعت الفرس على دخت زنان ابنة كسرى ، فلم ينفذ لها أمر وخلعت ، وملك سابور بن شهريران . فلما ملك قام بأمره الفرخزاد بن البنذوان ، فسأله أن يزوجه [ ص: 260 ] آزرميدخت بنت كسرى ، فأجابه . فغضبت آزرميدخت فأرسلت إلى سياوخش ، فلما كان ليلة العرس أقبل الفرخزاد حتى دخل ، فثار به سياوخش فقتله ، وقصدت آزرميدخت ومعها سياوخش سابور فحصروه ، ثم قتلوه ، وملكت آزرميدخت ثم تشاغلوا بذلك .

وأبطأ خبر أبي بكر على المثنى ، فاستخلف على المسلمين بشير بن الخصاصية وسار إلى المدينة إلى أبي بكر ليخبره خبر المشركين ، ويستأذنه في الاستعانة بمن حسنت توبته من المرتدين ، فإنهم أنشط إلى القتال من غيرهم ، فقدم المدينة وأبو بكر مريض قد أشفى ، فأخبره الخبر ، فاستدعى عمر وقال له : إني لأرجو أن أموت يومي هذا ، فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى ، ولا تشغلنكم مصيبة عن أمر دينكم ووصية ربكم ، فقد رأيتني متوفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما صنعت وما أصيب الخلق بمثله ، وإذا فتح الله على أهل الشام فاردد أهل العراق إلى العراق ، فإنهم أهله وولاة أمره وأهل الجرأة عليهم .

ومات أبو بكر ليلا فدفنه عمر وندب الناس مع المثنى ، وقال عمر : قد علم أبو بكر أنه يسوءني أن أؤمر خالدا ، فلهذا أمرني أن أرد أصحاب خالد ، وترك ذكره معهم .

وإلى آزرميدخت انتهى شأن أبي بكر ، فهذا حديث العراق إلى آخر أيام أبي بكر - رضي الله عنه - .

التالي السابق


الخدمات العلمية