الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النية الواجبة في الوضوء

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ( ويجب أن ينوي بقلبه لأن النية هي القصد ، تقول العرب : نواك الله بحفظه أي قصدك الله بحفظه ، فإن تلفظ بلسانه وقصد بقلبه فهو آكد ) .

التالي السابق


( الشرح ) النية الواجبة في الوضوء هي النية بالقلب ولا يجب اللفظ باللسان معها ، ولا يجزئ وحده وإن جمعهما فهو آكد وأفضل ، هكذا قاله [ ص: 359 ] الأصحاب واتفقوا عليه ، ولنا قول حكاه الخراسانيون أن نية الزكاة تجزئ باللفظ من غير قصد بالقلب وهو ضعيف ، ووجه مشهور ذكره المصنف وغيره أن نية الصلاة تجب بالقلب واللفظ معا وهو غلط ، وقد أشار الماوردي إلى جريانه في الوضوء وهو أشذ وأضعف ، والفرق بين الوضوء والزكاة على هذا القول الضعيف الذي ذكرناه أن الزكاة وإن كانت عبادة فهي شبيهة بأداء الديون بخلاف الوضوء ، والفرق بين الصلاة والوضوء في وجوب اللفظ في الصلاة على الوجه الضعيف دون الوضوء أن نية الوضوء أخف حكما ، ولهذا اختلف العلماء في وجوبها وأجمعوا على وجوب نية الصلاة ، واختلف أصحابنا في جواز تفريق نية الوضوء على الأعضاء والأصح جوازه ، واتفقوا على منع ذلك في الصلاة .

وأما قول المصنف : لأن النية هي القصد فصحيح كما سبق بيانه ، وقوله : تقول العرب : نواك الله بحفظه أي قصدك بحفظه ، هكذا عبارة شيخه القاضي أبي الطيب وابن الصباغ ، وكذا قاله قبلهم الأزهري كما قدمته عنه ، وعبارة الأزهري وإن لم تكن بلفظ عبارة المصنف فهي بمعناها . وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على المصنف هذه العبارة والنقل عن العرب ، قال : لأن القصد مخصوص بالحادث لا يضاف إلى الله تعالى ، وفي ثبوت ذلك عن العرب نظر ; لأن الذي في صحاح الجوهري يقول : نواك الله أي صحبك في سفرك وحفظك ، ثم ذكر كلام الأزهري ثم قال : وكأن الذي في المهذب تحريف من ناقل . هذا كلام أبي عمرو ، وهذا الذي أنكره غير منكر بل صحيح ، وأبو عمرو ممن صححه واعتمده فإنه في القطعة التي شرحها من أول صحيح مسلم في قول مسلم رحمه الله : ( وظننت حين سألتني تجشم ذلك أن لو عزم لي عليه ) قال أبو عمرو : يقدم على هذا أن الأمر في إضافة الأفعال إلى الله تعالى واسع لا يتوقف فيه على توقيف كما يتوقف عليه في أسماء الله تعالى وصفاته ، ولذلك توسع الناس في ذلك في خطبهم وغيرها . قال : فإذا ثبت هذا فمراد مسلم : " لو أراد الله لي ذلك " على وجه الاستعارة لأن الإرادة والقصد والعزم والنية متقاربة ، فيقام بعضها مقام بعض مجازا ، وقد ورد عن العرب أنها قالت : نواك الله بحفظه فقال فيه بعض الأئمة : معناه [ ص: 360 ] قصدك الله بحفظه .

هذا كلام أبي عمرو وهو راد لكلامه هنا ، ومعلوم أن من أطلق " قصدك الله بحفظه " لم يرد القصد الذي هو من صفة الحادث بل أراد الإرادة ، وقد استعمل المصنف " قصد " في حق الله تعالى فقال في فضل ترتيب الوضوء : الدليل عليه قوله تعالى : " { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } " الآية فأدخل المسح بين الغسل فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب ، ومراده بالقصد الإرادة . والله أعلم . ويقال عرب بضم العين وإسكان الراء وعرب بفتحهما لغتان الثانية أشهر ، والعرب مؤنثة ، والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا رحمهم الله : لو قال بلسانه : نويت التبرد ونوى بقلبه رفع الحدث أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف ، ومثله ما قاله الشافعي والمصنف والأصحاب في الحج : لو نوى بقلبه حجا وجرى على لسانه عمرة أو عكسه انعقد ما في قلبه دون لسانه ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث