الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ( 9 ) )

يقول تعالى ذكره : ( وقالت امرأة فرعون ) له هذا ( قرة عين لي ولك ) يا فرعون ; فقرة عين مرفوعة بمضمر هو هذا ، أو هو . وقوله : ( لا تقتلوه ) مسألة من امرأة فرعون أن لا يقتله . وذكر أن المرأة لما قالت هذا القول لفرعون ، قال فرعون : أما لك فنعم ، وأما لي فلا فكان كذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس ، قال : قالت امرأة فرعون : ( قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) قال فرعون : قرة عين لك ، أما لي فلا . قال محمد بن قيس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قال فرعون : قرة عين لي ولك ، لكان لهما جميعا " .

حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : اتخذه فرعون ولدا ، ودعي على أنه ابن فرعون ; فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيا ، فبينما هي ترقصه [ ص: 525 ] وتلعب به ، إذ ناولته فرعون ، وقالت : خذه ، قرة عين لي ولك ، قال فرعون : هو قرة عين لك ، لا لي . قال عبد الله بن عباس : لو أنه قال : وهو لي قرة عين إذن ; لآمن به ، ولكنه أبى .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قالت امرأة فرعون : ( قرة عين لي ولك ) تعني بذلك : موسى .

حدثنا العباس بن الوليد ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا الأصبح بن يزيد ، قال : ثنا القاسم بن أبي أيوب ، قال : ثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أتت بموسى امرأة فرعون فرعون قالت : ( قرة عين لي ولك ) قال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت ، لهداه الله به كما هدى به امرأته ، ولكن الله حرمه ذلك " .

وقوله : ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) ذكر أن امرأة فرعون قالت هذا القول حين هم بقتله . قال بعضهم : حين أتي به يوم التقطه من اليم . وقال بعضهم : يوم نتف من لحيته ، أو ضربه بعصا كانت في يده .

ذكر من قال : قالت ذلك يوم نتف لحيته :

حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما أتي فرعون به صبيا أخذه إليه ، فأخذ موسى بلحيته فنتفها ، قال فرعون : علي بالذباحين ، هو هذا ! قالت آسية ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) إنما هو صبي لا يعقل ، وإنما صنع هذا من صباه .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) قال : ألقيت عليه رحمتها حين أبصرته .

وقوله : ( وهم لا يشعرون ) اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : معنى ذلك : وهم لا يشعرون هلاكهم على يده .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وهم لا يشعرون ) قال : وهم لا يشعرون أن هلكتهم على يديه ، وفي زمانه . [ ص: 526 ]

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ( أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ) قال : إن هلاكهم على يديه .

حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( وهم لا يشعرون ) قال : آل فرعون إنه لهم عدو .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : ( وهم لا يشعرون ) بما هو كائن من أمرهم وأمره .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قالت امرأة فرعون آسية : ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ) يقول الله : وهم لا يشعرون أي : بما هو كائن بما أراد الله به .

وقال آخرون : بل معنى قوله : ( وهم لا يشعرون ) بنو إسرائيل لا يشعرون أنا التقطناه .

ذكر من قال ذلك .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ) قال : يقول : لا تدري بنو إسرائيل أنا التقطناه .

والصواب من القول في ذلك ، قول من قال : معنى ذلك : وفرعون وآله لا يشعرون بما هو كائن من هلاكهم على يديه .

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات به ; لأنه عقيب قوله : ( وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) وإذا كان ذلك عقبه ، فهو بأن يكون بيانا عن القول الذي هو عقبه أحق من أن يكون بيانا عن غيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية