الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قال رب انصرني بما كذبون

[ ص: 82 ] ( قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين )

قوله تعالى : ( قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين )

أما قوله : ( رب انصرني بما كذبون ) ففيه وجوه :

أحدها: أن في نصره إهلاكهم فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي.

وثانيها: انصرني بدل ما كذبوني ، كما تقول: هذا بذاك أي: بدل ذاك ومكانه، والمعنى أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم.

وثالثها: انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: ( إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) [الأعراف: 59] ولما أجاب الله دعاءه قال: ( فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ) أي: بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظا يكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله، ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام : " إن الله خلق آدم على صورته " لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك، واختلفوا في أنه عليه السلام كيف صنع الفلك ، فقيل: إنه كان نجارا وكان عالما بكيفية اتخاذها، وقيل: إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة , ووصف له كيفية اتخاذها، وهذا هو الأقرب لقوله: ( بأعيننا ووحينا ) .

أما قوله : ( فإذا جاء أمرنا ) فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم، والدليل عليه أنك إذا قلت: هذا أمر, بقي الذهن يتردد بين المفهومين، وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما، وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول، ومن الناس من قال: إنما سماه أمرا على سبيل التعظيم والتفخيم، مثل قوله : ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ) [فصلت: 11] .

أما قوله : ( وفار التنور ) فاختلفوا في التنور، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف. روي أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب، وقيل: كان تنور آدم من حجارة فصار إلى نوح، واختلف في مكانه، فعن الشعبي : في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عليه السلام عمل السفينة في وسط المسجد، وقيل : بالشام بموضع يقال له: عين وردة ، وقيل بالهند .

القول الثاني: أن التنور وجه الأرض ، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

الثالث: أنه أشرف موضع في الأرض ؛ أي: أعلاه ، عن قتادة .

والرابع: ( وفار التنور ) أي: طلع الفجر ، عن علي عليه السلام ، وقيل: إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر.

والخامس: هو مثل قولهم : حمي الوطيس.

والسادس: أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه ، عن الحسن رحمه الله، والقول الأول هو [ ص: 83 ] الصواب; لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة ; طلبا لنجاته ونجاة من آمن به من قومه.

أما قوله : ( فاسلك فيها ) أي: أدخل فيها، يقال: سلك فيه ؛ أي: دخل فيه ، وسلك غيره وأسلكه ( من كل زوجين اثنين ) أي: من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره في الوقت (اثنين) الذكر والأنثى; لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان، وكل واحد منهما زوج ، لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الاثنان، روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض، وقرئ "من كل" بالتنوين، أي: من كل أمة زوجين، واثنين تأكيد وزيادة بيان.

أما قوله : ( وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ) أي: وأدخل أهلك، ولفظ (على) إنما يستعمل في المضار; قال تعالى : ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) [البقرة: 286] واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين، أحدهما: أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله، وقيل: المراد بـ (أهله) من آمن دون من يتصل به نسبا أو سببا ، وهذا ضعيف، وإلا لما جاز استثناء قوله : ( إلا من سبق عليه القول ) والثاني: أنه قال: ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) يعني كنعان ، فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم; لأنه إن أجابه إليه، فقد صير خبره الصدق كذبا، وإن لم يجبه إليه كان ذلك تحقيرا لشأن نوح عليه السلام ، فلذلك قال: ( إنهم مغرقون ) أي الغرق نازل بهم لا محالة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث