الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقت النية في الوضوء

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ( والأفضل أن ينوي من أول الوضوء إلى أن يفرغ منه ليكون مستديما للنية ، فإن نوى غسل الوجه ، ثم عزبت نيته أجزأه ; لأنه أول فرض ، فإذا نوى عنده اشتملت النية على جميع الفروض ، وإن عزبت نيته عند المضمضة قبل أن يغسل شيئا من وجهه ففيه وجهان ( أحدهما ) : يجزيه ; لأنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض ، فإذا عزبت النية عنده أجزأه كغسل الوجه .

( والثاني ) لا يجزيه وهو الأصح لأنه عزبت نيته قبل الفرض ، فأشبه إذا عزبت عند غسل الكف ، وما قاله الأول يبطل بغسل الكف ، فإنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض ، ثم إذا عزبت النية عنده لم يجزه ) .

التالي السابق


( الشرح ) في هذه القطعة مسائل : ( إحداها ) الأفضل أن ينوي من أول الوضوء ويستديم إحضار النية حتى يفرغ من الوضوء وهذا الاستحباب متفق عليه ، وأول الوضوء التسمية قال القاضي أبو الطيب والمتولي : يستحب استصحاب نية الوضوء كما يستحب في الصلاة أن يستديم نيتها من افتتاحها إلى التسليم منها ، وهذا الذي قالاه تصريح بالتسوية بين الصلاة والوضوء في استحباب النية فيهما إلى الفراغ منهما ، وإنما ذكرت هذا لأني رأيت كثيرا توهم أن ذلك لا يستحب في الصلاة لكون الجمهور لم يتعرضوا له ، وهذا [ ص: 361 ] وهم فاسد . وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الوجيز الذي صنفه في العبادات أن الأكمل أن ينوي مرتين ، مرة عند ابتداء وضوئه ومرة عند غسل وجهه ، ونقل الروياني هذا عن القفال واستحسنه والله أعلم .

المسألة الثانية : إذا نوى عند ابتداء غسل الوجه ولم ينو قبله ولا بعده صح وضوءه بلا خلاف ، ولو غسل نصف وجهه بلا نية ثم نوى مع غسل باقيه لم يصح ما غسله منه بلا نية بلا خلاف لخلو بعض الفرض عن النية ، فيعيد غسل ذلك النصف قبل شروعه في غسل اليدين . وقول المصنف : ( نوى عند غسل الوجه ) يعني عند أوله صح الوضوء بنية عند غسل الوجه ، فهل يثاب على السنن السابقة للوجه التي لم تصادف نية وهي : التسمية ، والسواك وغسل الكفين ، والمضمضة ، والاستنشاق ؟ فيه طريقان : ( أحدهما ) : وبه قطع الجمهور : لا يثاب عليها ولا تحسب من طهارته لأنه عمل بلا نية فلم يصح كغيره ، ممن قطع بهذا القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي في البسيط والمتولي والبغوي في كتابيه التهذيب وشرح السنة وصاحب العدة وآخرون . والطريق الثاني ذكره صاحب الحاوي أنه على الوجهين ( أحدهما ) : هذا ( والثاني ) : يثاب ويعتد به من طهارته لأنه من جملة طهارة منوية ، وذكر إمام الحرمين هذا احتمالا لنفسه وخرجه ممن نوى صوم التطوع ضحوة فإنه يحسب ثواب صومه من أول النهار على أصح الوجهين قال : والمحفوظ في الوضوء أن النية لا تنعطف ، وفرقوا بينه وبين الصوم بفرقين : ( أحدهما ) : أن الصوم خصلة واحدة فإذا صح بعضها صح كلها ، والوضوء أركان متغايرة ، فالانعطاف فيها أبعد .

( والثاني ) : أنه لا ارتباط لصحة الوضوء بالمضمضة فإنه يصح بدونها بخلاف إمساك بقية النهار والله أعلم .

المسألة الثالثة : إذا نوى عند غسل الكف أو المضمضة أو الاستنشاق وعزبت نيته قبل غسل شيء من الوجه ففيه ثلاثة أوجه مشهورة للخراسانيين ، وذكرها من العراقيين الماوردي وغيره : ( أحدها ) : يجزيه ويصح وضوءه قاله أبو حفص بن الوكيل .

( والثاني ) : لا يجزيه قاله أبو العباس بن سريج .

( والثالث ) : إن عزبت عند الكف لا يجزيه وإن عزبت عند المضمضة أو [ ص: 362 ] الاستنشاق يجزيه ودليلها ما ذكره المصنف . واتفق الجمهور على أن الأصح أنه لا يصح وضوءه وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات ، وشذ عنهم الفوراني فصحح الصحة . ولو نوى عند التسمية أو الاستنجاء ثم عزبت نيته قبل غسل الكف قطع الجمهور بأنه لا يجزيه . وحكى الفوراني وصاحبا العدة والبيان فيه وجها أنه يجزيه وليس بشيء . وهذا الذي ذكرناه من الخلاف في المضمضة والاستنشاق هو فيما إذا لم ينغسل معهما شيء من الوجه بأن تمضمض من أنبوبة إبريق ونحوه ، وأما إذا انغسل معهما شيء من الوجه كبعض الشفة ونحوها كما هو الغالب ففيه طريقان قطع جمهور العراقيين بأنه يصح وضوءه ، ممن صرح به الشيخ أبو حامد وأصحابه الثلاثة القاضي أبو الطيب في تعليقه والماوردي والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم ، وحكى صاحبا التتمة والعدة وغيرهما وجهين : ( أحدهما ) : هذا ( والثاني ) : أنه كما لو لم يغسل شيئا من الوجه فيكون فيه الخلاف السابق . وقال صاحب البيان : إن غسل ذلك الجزء بنية الوجه أجزأه قطعا ، وإلا ففيه الوجهان كما قال صاحبا التتمة والعدة ، وانفرد البغوي فقال : الصحيح أنه لا يجزيه وإن انغسل شيء من الوجه لأنه لم يغسله عن الوجه بدليل أنه لا يجزيه عن الوجه بل يجب غسله ثانيا ، وهذا قوي ولكن خالفه صاحب التتمة فقال : يجزيه غسل ذلك المغسول من الوجه ولا تجب إعادته إذا صححنا النية وإن كان نوى به السنة قال : وهذا على طريقة من يقول : يتأدى الفرض بنية النفل وهذه القاعدة فيها خلاف وتفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى في باب سجود السهو حيث ذكرها المصنف والأصحاب ، وأشار الغزالي في البسيط إلى نحو هذا الذي في التتمة والله أعلم .

( فرع ) قول المصنف : لأنه فعل راتب في الوضوء لم يتقدمه فرض . احترز بقوله : ( فعل ) عن التسمية ، وبقوله : ( راتب في الوضوء ) من الاستنجاء ، وبقوله : ( لم يتقدمه فرض ) من غسل الذراعين ، وقوله : ( نوى عند غسل الوجه ) يقال عند وعند وعند بكسر العين وفتحها وضمها [ ص: 363 ] ثلاث لغات حكاهن ابن السكيت وغيره أشهرهن الكسر ، وبها جاء القرآن ، وقوله : " عزبت " أي ذهبت وهو بفتح الزاي والمضارع يعزب بضم الزاي وكسرها لغتان مشهورتان والمصدر عزوب والله أعلم .

( فرع ) وقت نية الغسل عند إفاضة الماء على أول جزء من البدن ولا يضر عزوبها بعده ، ويستحب استصحابها إلى الفراغ كالوضوء ، فإن غسل بعض البدن بلا نية ثم نوى أجزأه ما غسل بعد النية ويجب إعادة ما غسله قبلها . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث