الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الترغيب في ذكر الله والتقرب إليه بدوام ذكره

4832 كتاب الذكر

أي ذكر الله عز وجل: باللسان، بالذكر المرغب فيه شرعا، والإكثار منه؛ كالباقيات الصالحات، والحوقلة، والحسبلة، والحمدلة، والاستغفار، وقراءة القرآن (بل هي أفضل) ، والحديث. ومدارسة العلم.

وهل يشترط: استحضار الذاكر، لمعنى الذكر، أم لا؟.

[ ص: 536 ] المنقول: أنه يؤجر على الذكر باللسان، وإن لم يستحضر معناه.

نعم ! يشترط أن لا يقصد به غير معناه.

والأكمل: أن يتفق الذكر: بالقلب واللسان.

وأكمل منه: استحضار معنى الذكر، وما اشتمل عليه: من تعظيم المذكور، ونفي النقائص عنه، تعالى.

وقسم بعض العارفين: الذكر، إلى أقسام سبعة؛

ذكر العينين: بالبكاء. والأذنين: بالإصغاء. واللسان: بالثناء. واليدين: بالعطاء. والبدن: بالوفاء. والقلب: بالخوف، والرجاء. والروح: بالتسليم، والرضاء.

ذكره في الفتح .

[ ص: 537 ] باب الترغيب في ذكر الله، والتقرب إليه بدوام ذكره

وقال النووي : ( باب الحث على ذكر الله تعالى، وحسن الظن به) .

(حديث الباب) وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 2، 3 جـ 17، المطبعة المصرية

[عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ هم خير منهم وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ].

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله عنه؛ (قال: قال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: يقول الله، عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي) .

قيل: المراد به: ترغيب من الله عز وجل، لعباده: بتحسين ظنونهم به، وأنه يعاملهم على حسبها؛ فمن ظن به خيرا: أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، ونثر عليه محاسن تكرماته، وسوابغ عطياته.

ومن لم يكن في ظنه هكذا: لم يكن الله له هكذا. وهذا هو معنى "كون الله سبحانه، عند ظن عبده به".

فعلى العبد: أن يكون حسن الظن بربه، في جميع حالاته، ويستعين [ ص: 538 ] على تحصيل ذلك: باستحضار ما ورد من الأدلة، الدالة على سعة رحمة الله سبحانه؛ كحديث أبي هريرة في الصحيحين، يرفعه: "لما قضى الله الخلق: كتب كتابا، فهو عنده - فوق عرشه -: إن رحمتي سبقت غضبي".

وكحديثه فيهما أيضا، مرفوعا: "إن لله مائة رحمة: أنزل منها رحمة واحدة: بين الإنس، والجن، والبهائم، والهوام؛ فبها يتعاطفون. وبها يتراحمون. وبها يعطف الوحش على ولدها. وأخر الله تسعا وتسعين رحمة: يرحم بها عباده، يوم القيامة".

[ ص: 539 ] وكحديث عمر، رضي الله عنه - في امرأة من السبي - وفيه: فقال: "الله أرحم بعباده: من هذه بولدها". أخرجه أبو داود.

[ ص: 540 ] وفي حديث آخر، عن بعض الصحابة، مرفوعا: "أتعجبون لترحم أم الأفراخ: فراخها؟ فوالذي بعثني بالحق الله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها".

وفي الباب: أحاديث، لا يتسع لها: إلا مؤلف مستقل: ويغني عن الجميع: ما أخبرنا به الرب، سبحانه، في كتابه، من أنها: وسعت رحمته كل شيء. ومن أنه "كتب على نفسه الرحمة".

فإن هذا وعد من الله، عز وجل - وهو لا يخلف الوعد -، وخبر منه لعباده - وهو صادق المقال على كل حال -.

وما أحسن ما كان يدعو به: الخليفة العادل، عمر بن عبد العزيز "رحمه الله". فإنه كان يقول: يا من وسعت رحمته كل شيء ! إني شيء. فلتسعني رحمتك. يا أرحم الراحمين ! هكذا في (تحفة الذاكرين) .

وقلت أنا: يا من كتب على نفسه الرحمة، لعباده ! إني من عبادك. فارحمني. يا أرحم الراحمين !

قال عياض : معناه: أنا عند ظن عبدي بي (بالغفران له) : إذا استغفر، والقبول: إذا تاب. والإجابة: إذا دعا. والكفاية: إذا طلب الكفاية.

[ ص: 541 ] وقيل: المراد به: الرجاء، وتأميل العفو. وهذا أصح. قاله النووي .

قلت: ولا مانع من إرادة الجميع. والأول أولى، وهو ظاهر الحديث.

(وأنا معه حين يذكرني) فيه تصريح: بأن الله "سبحانه" مع عبده، عند ذكره له. ومن مقتضى ذلك: أن ينظر إليه برحمته، ويمده بتوفيقه وتسديده.

فإن قلت: هو مع جميع عباده، كما قال سبحانه: { وهو معكم أين ما كنتم } . وقوله: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } الآية.

قلت: هذه معية عامة. وتلك معية خاصة، للذاكر على الخصوص، بعد دخوله مع أهل المعية العامة. وذلك يقتضي: مزيد العناية به، ووفور الإكرام له، والتفضل عليه.

ومن هذه المعية الخاصة: ما ورد في الكتاب العزيز، من كونه: "مع الصابرين". وكونه: "مع الذين اتقوا". وما ورد في هذا المورد: من الكتاب، والسنة. فلا منافاة: بين إثبات المعية الخاصة، وإثبات المعية العامة.

[ ص: 542 ] ومثل هذا، ما قيل: إن ذكر الخاص بعد العام: يدل على أن للخاص مزية، اقتضت ذكره على الخصوص، بعد دخوله تحت العموم.

وقال النووي : معناه: أنا معه بالرحمة، والتوفيق، والهداية، والرعاية.

قال: وأما قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم } فمعناه: بالعلم، والإحاطة، انتهى. وهذا هو التأويل والتفسير، لمتشابه القرآن والحديث، الذي نهوا عنه، ومنعوا منه.

والحق في هذا الموضع، ونحوه: الاعتراف بظاهر اللفظ، والإيمان بلا كيف. والسكوت: عن تعيين المعية، وبيان حقيقتها. والله أعلم.

(فإن ذكرني في نفسه: ذكرته في نفسي) .

يحتمل: أن يريد سبحانه: أن العبد إذا ذكره ذكرا قلبيا غير شفاهي: أثابه ثوابا مخفيا عن عباده وأعطاه عطاء، لا يطلع عليه غيره.

ويحتمل: أن يريد الذكر الشفاهي "على جهة الإسرار"، دون الجهر. وأن الله تعالى، يجعل ثواب هذا الذكر الإسراري: ثوابا مستورا، لا يطلع عليه أحد.

ويدل على هذا الاحتمال الثاني: قوله: (وإن ذكرني في ملأ: ذكرته في ملأ، هم خير منهم) فإنه يدل على أن العبد: قد جهر بذكره "سبحانه".

[ ص: 543 ] بين ذلك الملأ، الذي هو فيهم. فيقابله: الإسرار بالذكر باللسان، لا مجرد الذكر القلبي. فإنه لا يقابل: الذكر الجهري. بل يقابل: مطلق الذكر اللساني، أعم من أن يكون سرا، أو جهرا.

ومعنى "ذكرته في ملأ خير منهم": أن الله سبحانه، يجعل ثواب ذلك الذكر: بمرأى ومسمع، من ملائكته. أو يذكره عندهم: بما يعظم شأنه، ويرتفع به مكانه. ولا مانع من أن يجمع له: بين الأمرين.

وفي قوله: "ذكرته في نفسي": مشاكلة، كما في قوله عز وجل: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } .

وقد حقق ذلك: علماء البيان. وإنما يحتاج إلى هذا، إذا أريد بالنفس: "معنى من معانيها"، لا يجوز إطلاقه على الرب.

وأما إذا أريد بها الذات: فلا حاجة إلى القول بالمشاكلة. قال المازري : "النفس" تطلق - في اللغة - على معان؛ منها: الدم. ومنها: نفس الحيوان. وهما مستحيلان، في حق الله تعالى.

ومنها: الذات. والله تعالى له ذات حقيقة. وهو المراد بقوله: "في نفسي".

ومنها: الغيب. وهو أحد الأقوال، في قوله: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } . أي: ما في غيبي.

[ ص: 544 ] فيجوز: أن يكون (أيضا) مراد الحديث: أي إذا ذكرني خاليا: أثابه الله، وجازاه عما عمل: بما لا يطلع عليه أحد. انتهى.

قلت: وكما جاءت السنة المطهرة، بفضائل الذكر، والترغيب إليه، وعظم الأجر عليه: كذلك جاء مثل ذلك، في الكتاب العزيز: "ولذكر الله أكبر مما سواه من الأعمال الصالحة. وقال تعالى: " { فاذكروني أذكركم } وقال: { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } . وقال: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } . وقال: { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } . وغيرها من الآيات.

اللهم ! وفقني لذكرك وشكرك، وحسن عبادتك. إنك على ما تشاء قدير.

قال النووي : هذا مما استدلت به "المعتزلة، ومن وافقهم": على تفضيل الملائكة على الأنبياء.

واحتجوا أيضا بقوله: { ولقد كرمنا بني آدم } إلى قوله: { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } . فالتقييد بالكثير: احتراز من الملائكة.

[ ص: 545 ] قال: ومذهب أصحابنا وغيرهم: أن الأنبياء، أفضل من الملائكة. لقوله تعالى - في بني إسرائيل: { وفضلناهم على العالمين } [ ص: 546 ] والملائكة من العالمين. انتهى.

قلت: لا دليل في هذا، على ما ادعاه. لأن المراد بالعالمين - في هذه الآية -: عالمي زمانهم، دون سائر الكائنات.

قال: ويتأول هذا الحديث، على أن الذاكرين غالبا: يكونون طائفة، لا نبي فيهم. فإذا ذكر الله تعالى في خلائق من الملائكة: كانوا خيرا من تلك الطائفة.

(وإن تقرب مني شبرا: تقربت إليه ذراعا. وإن تقرب إلي ذراعا: تقربت منه باعا) .

الباع، والبوع بضم الباء، والبوع بفتحها: كله بمعنى. وهو: طول ذراعي الإنسان، وعضديه، وعرض صدره. قال الباجي: وهو قدر أربع أذرع. وهذا حقيقة اللفظ. والمراد بها في الحديث: المجاز. قاله النووي .

وأقول: لا ملجئ إلى القول بالمجاز. بل هو على حقيقته وظاهره.

ولا ندري: كيف هو.

نؤمن به، كما جاء. ونقول به، كما قال به النبي، صلى الله عليه وآله وسلم. ونعوذ بالله: من الاحتراز عما جاءنا به رسولنا، صلى الله عليه وآله وسلم. فقد جاءنا بهذا ونحوه: من جاءنا بالقرآن.

[ ص: 547 ] وإذا جاء نهر الله: بطل نهر معقل.

وبسط الكلام على هذا اللفظ، في (كتاب الجوائز والصلات) .

والحديث: دليل على غاية قرب الرب، مع عبده الذاكر. ونهاية قرب العبد، مع ربه الكريم.

اللهم ! قربني منك. وباعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين الأرض والسماء. ونقني من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس.

(وإن أتاني يمشي: أتيته هرولة) .

قال النووي : هذا الحديث، من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره.

ومعناه: من تقرب إلي بطاعتي: تقربت إليه برحمتي، والتوفيق، والإعانة. وإن زاد: زدت؛ فإن أتاني يمشي، وأسرع في طاعتي: أتيته هرولة. أي: صببت عليه الرحمة، وسبقته بها. ولم أحوجه: إلى المشي الكثير، في الوصول إلى المقصود.

والمراد: أن جزاءه، يكون تضعيفه على حسب تقربه. انتهى.

قلت: والأولى: إجراء هذه اللفظة، على ظاهرها. وعدم التأويل لها. ولا استحالة في إتيان الرب تعالى: كما ليس في ثبوت النزول له [ ص: 548 ] سبحانه، والمجيء.

وقد تظاهرت الأدلة الصحيحة بذلك. يعرفها: من يعرف الكتاب والسنة.

وأما المتكلمون في تأويل آيات الصفات، وأحاديثها: فلم يزالوا في حيص وبيص، وعلى بعد من طريق الحق والصواب.

والذي شرح الله صدره للإسلام، ونور قلبه بنور كامل الإيمان: يؤمن بكل ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله: بلا شك وشبهة، في حرف واحد منه. ويعالج التشبيه: بكلمة إجمالية: { ليس كمثله شيء } .

وفي القرآن والحديث "من جنس هذا": الكثير الطيب. راجع "الجوائز والصلات": يتجلى عليك الحق. وفيه جميع ما ورد من هذا الباب، على وجه الاستقراء: من السنة، والكتاب، وبالله التوفيق.

ويدل لحديث الباب: ما رواه مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ بلفظ: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله قال: إذا تلقاني عبدي: بشبر: تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع: تلقيته بباع. وإذا تلقاني بباع: جئته، أتيته: بأسرع". والجمع بينهما: للتوكيد.

[ ص: 549 ] قال النووي : وهو حسن، لا سيما عند اختلاف اللفظ.

وحديث الباب: أورده مسلم أيضا بطرق، في موضع آخر. ترجمه النووي، بقوله: (باب فضل الذكر والدعاء، والتقرب إلى الله تعالى) .

(جزاء الحسنة والسيئة)

ويدل له أيضا: ما رواه مسلم عن أبي ذر، رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: "يقول الله، عز وجل: من جاء بالحسنة: فله عشر أمثالها، أو أزيد. ومن جاء بالسيئة: جزاء سيئة بمثلها، أو أغفر. ومن تقرب مني شبرا: تقربت منه ذراعا. ومن تقرب مني ذراعا: تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي: أتيته هرولة. ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة - لا يشرك بي شيئا -: لقيته بمثلها مغفرة".

وما أعظم موقع هذا الحديث: للموفق بالذكر، والآتي بالحسنة ! وما أرجاه للعاصي، المخطئ الخاطئ، الآتي بالسيئة ! بشرط أن لا يشرك بالله شيئا.

[ ص: 550 ] اللهم ! اغفر لي خطيئتي يوم الدين. واحشرني في زمرة أمة نبيك شفيع المذنبين، برحمتك التي لم يسبق عليها غضبك، يا أكرم الأكرمين ! اللهم ! آمين.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث