الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في الاجتماع على تلاوة كتاب الله تعالى

4867 [ ص: 555 ] باب في الاجتماع على تلاوة كتاب الله تعالى

وقال النووي : ( باب فضل الاجتماع: على تلاوة القرآن، وعلى الذكر) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 21، 22 جـ 17، المطبعة المصرية

[عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ].

[ ص: 556 ]

التالي السابق


[ ص: 556 ] (الشرح)

(عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: من نفس) أي: أزال (عن مؤمن: كربة، من كرب الدنيا: نفس الله عنه: كربة، من كرب يوم القيامة) .

فيه: فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسر: من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة: بمصلحة، أو نصيحة، وغير ذلك.

(ومن يسر على معسر: يسر الله عليه، في الدنيا والآخرة) .

فيه: فضل التيسير، وإنظار المعسر. وأنه جالب لتيسير الله عليه، يوم لا ينفع مال ولا بنون.

(ومن ستر مسلما: ستره الله، في الدنيا والآخرة) . فيه: فضل الستر على المسلمين. وقد سبق تفصيله، في محله. (والله في عون العبد: ما كان العبد في عون أخيه) .

فيه: فضل الإعانة، وأن الله هو المعين لمن كان في عون المسلمين. قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } .

(ومن سلك طريقا، يلتمس فيه علما: سهل الله له به: طريقا إلى الجنة) .

فيه: فضل المشي في طلب العلم. ويلزم من ذلك: الاشتغال بالعلم

[ ص: 557 ] الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى. وإن كان هذا شرطا في كل عبادة، لكن عادة العلماء: أنهم يقيدون هذه المسألة به، لكونه قد يتساهل فيه: بعض الناس، ويغفل عنه: بعض المبتدئين، ونحوهم.

وقال بعض الموفقين: طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله. اللهم ! اجعلنا من هؤلاء.

(وما اجتمع قوم، في بيت من بيوت الله: يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم: إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة) .

قال النووي : قيل: المراد بالسكينة هنا: "الرحمة". وهو الذي اختاره عياض . وهو ضعيف، "لعطف الرحمة عليه".

وقيل: "الطمأنينة، والوقار". وهو أحسن. انتهى. ومعنى "غشيتهم الرحمة": سترتهم. أخذا من التغشي بالثوب. (وحفتهم الملائكة) أي: أحدقت بهم، واستدارت عليهم.

(وذكرهم الله فيمن عنده) معناه: يذكرهم عند ملائكته، حسبما قدمنا بيانه.

وفي الحديث: ترغيب عظيم، للاجتماع على الذكر؛ فإن هذه الأربع الخصائص؛ كل واحدة منها على انفرادها: مما يثير رغبة الراغبين، ويقوي عزم الصالحين: على ذكر رب العالمين. كذا في "تحفة الذاكرين".

[ ص: 558 ] والحديث أيضا: أخرجه الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن حبان، وابن أبي شيبة، وغيرهم: بألفاظ، وطرق.

وعند مسلم في رواية، بلفظ: "لا يقعد قوم، يذكرون الله عز وجل: إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".

وأخرجه " ابن شاهين "، بلفظ: "ما جلس قوم مسلمون: مجلسا يذكرون الله فيه: إلا حفتهم الملائكة"، الحديث. قال: وهو حسن صحيح.

وأخرجه الترمذي، بلفظ: "ما من قوم يذكرون الله".

وفي الباب أحاديث؛

منها: ما أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والضياء في المختارة؛ من حديث أنس؛ بلفظ: "ما جلس قوم يذكرون الله: إلا ناداهم مناد من السماء: قوموا مغفورا لكم".

وأخرج الطبراني (في الكبير) ، والبيهقي (في الشعب) ، وغيرهما؛ من حديث " سهل بن الحنظلة "؛ بلفظ: "ما جلس قوم يذكرون الله، عز وجل، فيقومون، حتى يقال لهم: قوموا، قد غفرت لكم ذنوبكم، [ ص: 559 ] وبدلت سيئاتكم: حسنات". إلى غير ذلك: من الأخبار الصحيحة، المروية في الصحيحين وغيرهما. وهي كثيرة طيبة.

قال النووي : وفي هذا دليل لفضل الاجتماع، على تلاوة القرآن في المسجد. وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. وقال مالك: يكره. وتأوله بعض أصحابه.

قال: ويلحق بالمسجد - في تحصيل هذه الفضيلة -: الاجتماع في مدرسة، ورباط، ونحوهما. إن شاء الله تعالى. ويدل عليه: الحديث الذي بعده؛ فإنه مطلق: يتناول جميع المواضع. ويكون التقييد في الحديث الأول: خرج على الغالب. لا سيما في ذلك الزمان. فلا يكون له مفهوم يعمل به. انتهى.

قلت: المراد بالحديث المطلق: ما رواه مسلم؛ بلفظ: "لا يقعد قوم يذكرون الله، عز وجل: إلا حفتهم الملائكة". ويدل للتعميم: ما ذكرنا؛ من الجلوس، والمجلس. وهما عامان، يشملان كل موضع.

(ومن بطأ به عمله: لم يسرع به نسبه) .

معناه: من كان عمله ناقصا: لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال. فينبغي: أن لا يتكل على شرف النسب، وفضيلة الآباء، ويقصر في العمل. هذا كلام النووي .

[ ص: 560 ] وحق العبارة - في هذا المقام -: أن مجرد الاتكال على النسب الرفيع: لا يجدي مع عدم العمل، ولا ينجي من عقاب الله.

وأما من عمل - وإن كان عملا قليلا - ولم يتكل على فضيلة الآباء في نجاته في الآخرة: فقد يمكن أن يلحقه الله سبحانه - بواسع كرمه، وتمام منه -: بآبائه الكرام، المغفور لهم. أو يغفرهم بمجالسة الصلحاء، في مجالس ذكرهم. فهم القوم لا يشقى جليسهم. والله أعلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث