الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل مجالس الذكر لله عز وجل والدعاء والاستغفار

4854 [ ص: 564 ] باب فضل مجالس الذكر لله عز وجل، والدعاء والاستغفار

وأورده النووي، في (باب فضل مجالس الذكر) أيضا.

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 14، 15 جـ 17، المطبعة المصرية

[عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلا يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء قال فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك قال وماذا يسألوني قالوا يسألونك جنتك قال وهل رأوا جنتي قالوا لا أي رب قال فكيف لو رأوا جنتي قالوا ويستجيرونك قال ومم يستجيرونني قالوا من نارك يا رب قال وهل رأوا ناري قالوا لا قال فكيف لو رأوا ناري [ ص: 565 ] قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال فيقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم قال فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ].

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله عنه؛ (عن النبي صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ إن لله تبارك وتعالى: ملائكة سيارة) معناه: سياحون في الأرض.

(فضلا) ضبطوه على أوجه؛

أحدها - وهو أرجحها، وأشهرها في بلاد النووي -: بضم الفاء، والضاد.

والثانية: بضم الفاء، وإسكان الضاد: "جمع فاضل"، كنزل ونازل. ورجحها بعضهم، وادعى: أنها أكثر وأصوب.

والثالثة: بفتح الفاء، وإسكان الضاد. قال عياض : هكذا الرواية، عند جمهور مشايخنا: في البخاري، ومسلم .

والرابعة: بضم الفاء، والضاد، ورفع اللام؛ على أنه: خبر مبتدأ محذوف.

[ ص: 566 ] والخامسة: فضلاء بالمد؛ جمع: "فاضل".

قال العلماء: معناه - على جميع الروايات -: أنهم زائدون، على الحفظة وغيرهم، من المرتبين مع الخلائق. فهؤلاء السيارة: لا وظيفة لهم. وإنما مقصودهم: "حلق الذكر". (يبتغون مجالس الذكر) ضبطوه على وجهين؛ أحدهما: بالعين المهملة، من التتبع وهو البحث عن الشيء، والتفتيش.

والثاني: بالغين المعجمة من. "الابتغاء" وهو الطلب. قال النووي : كلاهما صحيح.

وفي البخاري : "إن لله ملائكة، يطوفون في الطرق: يلتمسون أهل الذكر" (فإذا وجدوا، مجلسا فيه ذكر: قعدوا معهم، وحف بعضهم [ ص: 567 ] بعضا: بأجنحتهم) هكذا هو في كثير، من نسخ بلاد النووي : "حف" بالفاء.

وفي بعضها: "حض، أي: حث على الحضور، والاستماع. وحكى عياض عن بعضهم: "حط" واختاره. قال: ومعناه: أشار بعضهم إلى بعض: بالنزول.

ويؤيد هذه الرواية، قوله بعده، في البخاري : "هلموا إلى حاجتكم".

ويؤيد الرواية الأولى، وهي "حف": قوله في البخاري : "يحفونهم بأجنحتهم، ويحدقون بهم، ويستديرون حولهم، ويحوف بعضهم بعضا.

(حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا. فإذا تفرقوا: عرجوا، وصعدوا إلى السماء. قال: فيسألهم الله، عز وجل، وهو أعلم بهم) .

فيه: إثبات جهة العلو والفوق، لله تعالى .

وفائدة السؤال - مع العلم بالمسئول -: التعريض بالملائكة، وبقولهم في بني آدم: "أتجعل فيها من يفسد فيها" إلخ.

[ ص: 568 ] (من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك، في الأرض؛ يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك) أي: يقولون: "سبحان الله، والله أكبر، ولا إله إلا الله، والحمد لله". وزاد البخاري : "ويمجدونك".

وفي حديث البزار، عن أنس: "يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك".

(ويسألونك. قال: وماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك جنتك) . اللهم ! إني أسألك: الجنة، وأعوذ بك: من النار.

(قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا. أي رب ! قال: فكيف، لو رأوا جنتي؟) .

ولفظ البخاري : "ما يقول عبادي؟" إلى قوله: "فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا. والله! يا رب ! ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها: كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة".

(قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيرون؟ قالوا: من نارك، يا رب!) أي: يطلبون الأمان منها.

[ ص: 569 ] اللهم ! أعذنا من النار، وما فيها.

(قال. وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف، لو رأوا ناري؟) .

وفي البخاري : "قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله ! ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها، كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة".

وهذا كله فيه: تقريع للملائكة، وتنبيه: على أن تسبيح بني آدم، وتقديسهم: أعلى وأشرف، من تقديسهم، لحصول هذا "في عالم الغيب"، مع وجود الموانع والصوارف، وحصول ذلك للملائكة "في عالم الشهادة"، من غير صارف.

(قالوا: ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا. وأجرتهم مما استجاروا) .

وفي البخاري : فيقول: "فأشهدكم: أني قد غفرت لهم".

قلت: هذا هو العطاء الجم، والكرم العم، والرحمة السابقة على الغضب. نعم، { ومن يغفر الذنوب إلا الله } ؟ { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } .

[ ص: 570 ] (قال: يقولون: يا رب ! فيهم فلان، عبد خطاء) أي: كثير الخطأ (إنما مر، فجلس معهم. قال: فيقول: وله غفرت هم القوم، لا يشقى بهم: جليسهم) .

وفي البخاري؛ "قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء، لا يشقى بهم جليسهم".

قال في (شرح المشكاة) : قوله: "إنما مر" مشكل؛ لأن "إنما": توجب حصر ما بعدها في آخر الكلام. كما تقول: "إنما يجيء زيد". أو "إنما زيد يجيء". ولم يصرح هنا، غير "كلمة واحدة". وكذلك قوله: "وله غفرت"، يقتضي "تقديم الظرف على عامله": اختصاص الغفران بالمار، دون غيره، وليس كذلك.

وأجاب: بأن في التركيب الأول: تقديما، وتأخيرا. أي: "إنما فلان، مر". أي: ما فعل فلان: إلا المرور، والجلوس عقبه. يعني: ما ذكر الله تعالى.

[ ص: 571 ] ثم قال: فإن قلت: لم لم يجعل الضمير في "مر" بارزا، ليكون الحصر فيه؟ .

وأجاب: بأنه لو أريد هذا، لوجب الإبراز. ولئن سلم: لأدى إلى خلاف المقصود، وهو أن المرور منحصر في فلان، لا يتعدى إلى غيره. وهو خلف.

وفي التركيب الثاني: "الواو للعطف". وهو يقتضي معطوفا عليه. أي: قد غفرت لهم، وله. ثم أتبع "غفرت": تأكيدا، وتقريرا، فقال: "هم القوم إلخ". يعني: أن مجالستهم، مؤثرة في الجليس.

وتعريف الخبر: يدل على الكمال. أي: "هم القوم، كل القوم، الكاملون فيما هم فيه: من السعادة". فيكون قوله: "لا يشقى جليسهم": استئنافا لبيان الموجب.

وفي هذه العبارة: مبالغة في نفي الشقاء، عن جليس الذاكرين. فلو قيل: "يسعد بهم جليسهم": لكان ذلك في غاية الفضل. لكن التصريح بنفي الشقاء: أبلغ في حصول المقصود.

[ ص: 572 ] قال النووي : في هذا الحديث: فضيلة الذكر، وفضيلة مجالسه، والجلوس مع أهله: وإن لم يشاركهم. وفضل مجالسة الصالحين، وبركتهم.

قال عياض : ذكر الله تعالى ضربان؛ ذكر بالقلب، وذكر باللسان. وذكر القلب نوعان؛

أحدهما - وهو أرفع الأذكار، وأجلها -: الفكر في عظمة الله تعالى، وجلاله، وجبروته، وملكوته، وآياته في سماواته وأرضه. ومنه الحديث: "خير الذكر: الخفي". والمراد به: هذا.

والثاني: ذكره بالقلب - عند الأمر والنهي -؛ فيمتثل: ما أمر به.

ويترك: ما نهى عنه. ويقف عما أشكل عليه.

وأما ذكر اللسان - مجردا -: فهو أضعف الأذكار. ولكن فيه فضل عظيم، كما جاءت به الأحاديث.

قال: وذكر ابن جريرالطبري، وغيره: اختلاف السلف، في ذكر القلب واللسان: أيهما أفضل؟ قال عياض : والخلاف عندي "إنما يتصور في مجرد ذكر القلب: تسبيحا، وتهليلا، وشبههما". ويدل عليه كلامهم. لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي، الذي ذكرناه. وإلا، فذلك: لا يقاربه ذكر اللسان، فكيف يفاضله؟

[ ص: 573 ] وإنما الخلاف في ذكر القلب: بالتسبيح المجرد، ونحوه. والمراد بذكر اللسان: مع حضور القلب. فإن كان لاهيا، فلا.

واحتج من رجح ذكر القلب: بأن عمل السر أفضل. ومن رجح ذكر اللسان: قال: لأن العمل فيه أكثر. فإن زاد باستعمال اللسان: اقتضى زيادة أجر. انتهى.

قلت: والراجح: جواز الذكر سرا، وجهرا. والاقتصار فيه على ما ورد. فما ورد جهرا: يجهر هناك. وما جاء بالسر: فيسر به، كما جاء.

وهذا أعدل الأقوال، وأولاها. وبه يحصل التوفيق بين الروايات المتعارضة. وبه قال الشوكاني، رضي الله عنه، ورجحه.

قال عياض : واختلفوا؛ هل تكتب الملائكة ذكر القلب. فقيل: تكتبه، ويجعل الله تعالى لهم: علامة، يعرفونه بها.

وقيل: لا يكتبونه، لأنه لا يطلع عليه غير الله.

قال النووي : الصحيح أنهم يكتبونه، وأن ذكر اللسان مع حضور القلب: أفضل من القلب وحده. والله أعلم. انتهى.

قلت: ولا بد لكون الكتابة صحيحة: من دليل مرفوع، يدل عليه. ولم أقف على ما يحتج به على ذلك. والعلم بذات الصدور: مما استأثر [ ص: 574 ] الله تعالى به.

وإذا علم الله بذكر القلب: فبه ونعم، وإن لم يكتبه الملائكة. ولا خلاف في كتابة الذكر باللسان. فقد قال سبحانه وتعالى: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث