الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في فضائل التسبيح

4860 باب في فضائل التسبيح

وهو في النووي، في (الباب المتقدم) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 19 جـ 17، المطبعة المصرية

(عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) .

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: كلمتان خفيفتان على اللسان) أي: كلامان، من إطلاق الكلمة: على الكلام.

"والخفة" مستعارة، من السهولة. وقال الشوكاني : أي لا كلفة في النطق بهما: على الناطق لخفة، حروفهما. وذلك أنه ليس فيهما: حرف من حروف الاستعلاء، ولا من حروف الإطباق: غير الظاء. ولا من حروف [ ص: 630 ] الشدة: سوى الباء، والدال.

(ثقيلتان. في الميزان) ، لأن الأعمال تجسم. أو الموزون: صحائفها، لحديث البطاقة: المشهور، المتقدم في شرحنا هذا قريبا.

وعبارة الشوكاني : يعني أن أجرهما: عظيم كثير، ولهما في ميزان الحسنات: أثر عظيم.

(حبيبتان إلى الرحمن) أي: محبوبتان، يحب الرحمن قائلهما، فيجزل له من مكارمه: ما يليق بفضله.

وخص لفظ "الرحمن": إشارة إلى بيان سعة رحمته، حيث يجازي على العمل القليل: بالثواب الجزيل.

(سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) . كرر التسبيح: طلبا للتأكيد، واعتناء بشأنه.

وبهذا الحديث: ختم البخاري صحيحه. وهو حديث: عظيم الشأن كثير الفائدة.

وقوله: حبيبتان، وخفيفتان، وثقيلتان: صفة لقوله: "كلمتان".

"وسبحان": اسم مصدر، لا مصدر. يقال: "سبح يسبح تسبيحا" لأن قياس مصدر "فعل، بالتشديد، إذا كان صحيح اللام: "التفعيل" كالتسليم، والتكريم.

وقيل: مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي. قاله في "اللباب.

[ ص: 631 ] ومعنى "أسبح الله": أنظم نفسي: في سلك الموقنين بتقديسه، عن جميع ما لا يليق بجنابه سبحانه. وأنه مقدس: أزلا، وأبدا. وإن لم يقدسه أحد.

وقيل: "مصدر نوعي"، على مثال ما يقال: "عظم السلطان"، أي تعظيما يليق بجنابه، ويناسب من يتصف بالسلطنة. والمعنى: أسبحه تسبيحا يختص به.

وقيل: "مصدر" أريد به: الفعل، مجازا. كما أن الفعل يذكر، ويراد به: المصدر، مجازا. كقوله: "تسمع بالمعيدي".

وقد فهم من هذا الحديث: تقدس الأسماء، والصفات. لأن الذات، مع الأسماء والصفات: متلازمان في الوجود والعدم: بالتحقيق. ولأن انتفاء تقديس الأسماء والصفات: يستلزم انتفاء تقديس الذات، لأنها قائمة بالذات، ومقتضياتها. لكن انتفاء تقديس الذات: منتف. وإذا حصل الاعتراف، والاعتقاد: بأنه منزه عن جميع النقائص، وما لا ينبغي أن ينسب إليه: ثبتت الكمالات ضرورة، التزاما. وحصل: توحيد الربوبية. وثبت التقديس في كل كمال: عن المشابهة، والمماثلة، والشركة، وكل ما لا يليق. فثبت: أنه "الرب" على الإطلاق، للأنفس والآفاق. فهو المستحق: لأن يشكر، ويعبد: بكل ما يمكن على الانفراد: بالحق والحقيقة.

[ ص: 632 ] وتوحيد الربوبية: حجة ملزمة، وبرهان موجب: لتوحيد الألوهية، فتتضمن هذه الكلمة: إثبات التوحيدين، كما تتضمن: إثبات الكمالين.

وهذان الإثباتان: في ضمنهما كل مدح ممكن، فيما يرجع إلى الله تعالى.

ولما كان الاتصاف بالكمال الوجودي: مشروطة بخلوه عما ينافيه: قدم التسبيح على التحميد: في الذكر. كما تقدم التخلية، على التحلية.

ومن هذا القبيل: تقدم النفي على الإثبات، في "لا إله إلا الله".

قالوا: والواو في قوله "وبحمده": للحال. أي: أسبحه متلبسا بحمدي له، من أجل توفيقه لي: للتسبيح، ونحوه.

وقيل: عاطفة. أي: أسبح، وأتلبس: بحمده.

وأما الباء، فيحتمل: أن تكون سببية، أو للمصاحبة، أو للاستعانة.

ثم إن جنس الحمد - كما قال بعض العلماء -، لما وقع ذكره: بعد التقديس عن كل ما لا يليق به تعالى، بغير تخصيص بعض المحامد:

[ ص: 633 ] تضمن الكلام، واستلزم: إثبات جميع الكمالات الوجودية، الجائزة له: مطابقة. ولزم منه: التقديس عن كل ما لا يليق. وهو كل ما ينافيها، ولا يجامعها. هذا؛ مع أن "كلمة الجلالة": تدل على الذات المقدسة، المستجمعة للكمالات أجمع. وكذا: الضمير في "وبحمده": إلى الهوية الخاصة، السبوحية، القدسية، الجامعة لجميع خاصيات الذات الواجبة، وخواصها.

فهذه الكلمة: اشتملت على اسمي الذات، اللذين لا أجمع منهما؛ أحدهما: فيه اعتبار علية أحكام الشهادة، والغيب. والآخر: فيه علية أحكام الغيب، وغيب الغيب.

وأيضا: تشتمل على: جميع التقديسات، والتنزيهات، وعلى: جميع الأسماء، والصفات. وعلى: كل توحيد.

وختم بقوله: "سبحان الله العظيم": ليجمع بين مقامي الرجاء، والخوف؛ إذ معنى "الرحمن": يرجع إلى الإنعام، والإحسان.

ومعنى "العظيم": يرجع إلى الخوف، من هيبة الله تعالى.

وفي هذا الحديث - من علم البديع -: المقابلة، والمناسبة، والموازنة في السجع؛ أما المقابلة: فقد قابل الخفة على اللسان: بالثقل في الميزان.

وأما الموازنة: ففي قوله: (حبيبتان إلى الرحمن). ولم يقل: للرحمن، لأجل موازنته: "على اللسان".

[ ص: 634 ] وفيه: نوع من الاستعارة، في قوله: "خفيفتان"؛ فإنه كناية: عن قلة حروفهما، ورشاقتهما.

قال الطيبي: فيه استعارة، لأن الخفة: مستعارة للسهولة. انتهى.

قال القسطلاني "رحمه الله": والظاهر أنها من قبيل "الاستعارة بالكناية"؛ فإنه شبه "سهولة جريانهما على اللسان": بما يخف على الحامل، من بعض الأمتعة، فلا تتعبه، كالشيء الثقيل. فحذف ذكر المشبه به، وأبقى شيئا من لوازمه، وهو الخفة.

وأما الثقل؛ فعلى الحقيقة - عند أهل السنة - إذ الأعمال تتجسم، كما سبق.

وفيه: حث على المواظبة عليهما، وتحريض على ملازمتهما.

وتعريض: بأن سائر التكاليف: صعبة، شاقة، على النفوس ثقيلة.

وهذه: خفيفة، سهلة عليها. مع أنها تثقل في الميزان.

ويستفاد من هذا الحديث: أن مثل هذا السجع، جائز. وأن المنهي عنه - في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "سجع، كسجع الكهان"-: ما كان متكلفا، أو متضمنا الباطل، لا ما جاء من غير قصد، أو تضمن حقا.

[ ص: 635 ] وفيه: من علم العروض: إفادة أن الكلام المسجع، ليس بشعر، فلا يوزن، وإن جاء على وفق البحور في الجملة.

هذا؛ مع ضميمة قوله تعالى: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } . وقد جاء في الكتاب، والسنة: أشياء، على وفق البحور.

وفي سنده - عند البخاري - من اللطائف: "القول": في موضعين، و"التحديث": في موضعين. والعنعنة وهي - في صحيحه -: محمولة على السماع.

وفي الحديث - أيضا -: الاعتناء بشأن التسبيح، أكثر من التحميد، لكثرة المخالفين فيه. وذلك من جهة تكريره.

وقد جاءت السنة المطهرة به: على أنواع شتى؛

ففي مسلم، عن سمرة - مرفوعا -: "أفضل الكلام: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". قال القسطلاني : أي أفضل الذكر بعد كتاب الله -.

والموجب لفضلها: اشتمالها على جملة أنواع الذكر؛ من التنزيه، والتحميد، والتمجيد. ودلالتها: على جميع المطالب الإلهية: إجمالا.

وفي الترمذي - وقال: حديث غريب -؛ عن ابن عمر، يرفعه:

[ ص: 636 ] "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله: ليس له حجاب دون الله، حتى تخلص إليه".

وفيه وجهان؛ أحدهما: أن يراد: التسوية بين التسبيح، والتحميد: بأن كل واحد منهما: يأخذ نصف الميزان، فيملآن الميزان معا.

وثانيهما: أن يراد: تفضيل الحمد، على التسبيح. وأن ثوابه: ضعف ثواب التسبيح. لأن التسبيح: نصف الميزان، والتحميد وحده: يملؤه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث