الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل: الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتاد وغير المعتاد

                                                                                                                                                                                        الفطر يقع بالمأكول والمشروب المعتادين وبغير المعتادين كالعقاقير، وبما ليس من المأكولات إذا كان يغذي كالتراب والنوى.

                                                                                                                                                                                        واختلف في وقوع الفطر بتسع: بالتافه من الطعام كفلقة الحبة، وبما فوق ذلك إذا كان مما تدعو إليه الضرورة كغبار الدقيق، وبما لا يغذي كالحصاة والبلغم، وبما يصل من العين، وإذا قاء ثم غلب على رجوع شيء منه، وإذا تقيأ وإن لم يرجع شيء منه، وفي الحقنة بالمائعات، وفي وقوع الفطر بالنية لمن تقدم له التبييت قبل أن يصبح، فلا يفسد الصوم فلقة الحبة تكون في الفم، إذا لم يتعمد وكان مغلوبا ومضت مع ريقه. [ ص: 740 ]

                                                                                                                                                                                        واختلف في غير المغلوب إذا كان ساهيا أو جاهلا أو عامدا، فقال في كتاب أبي مصعب: إذا كان ساهيا فعليه القضاء، وإن كان متعمدا كان عليه القضاء والكفارة، وأجراه على حكم الكثير من الطعام. وقال في مختصر ابن عبد الحكم: إن كان جاهلا فلا شيء عليه، وقال ابن حبيب: إن كانت بين أسنانه فلا شيء عليه، ساهيا كان أو عامدا أو جاهلا، وإن تناولها من الأرض كانت كسائر الطعام- عليه في السهو القضاء، وفي الجهل والعمد القضاء والكفارة. قال: من قبل الاستخفاف بصومه، وليس من قبل أنه تغذى، وقول أبي مصعب أحسن.

                                                                                                                                                                                        والإمساك عن حقير الطعام وغيره واجب، ولا يسقط القضاء إلا فيما لا ينفك منه وتدعو الضرورة إليه، وقال أشهب في مدونته في غبار الدقيق: عليه القضاء، وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا شيء عليه. والأول أحسن، وهو الأصل، ويلزم الصائم اجتناب ذلك، ولا شيء في غبار الطريق; لأنه ضرورة لا ينفك الناس منه.

                                                                                                                                                                                        واختلف في الحصاة والدرهم، فذهب ابن الماجشون في "المبسوط": أن له حكم الطعام، فعليه في السهو القضاء، وفي العمد القضاء والكفارة، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: لا قضاء عليه إلا أن يكون متعمدا فيقضي لتهاونه بصومه. فجعل القضاء مع العمد من باب العقوبة، والأول أشبه; [ ص: 741 ] لأن الحصاة تشغل المعدة إشغالا ما، وتنقص من كلب الجوع، ولا شيء في البلغم إذا نزل إلى الحلق وإن كان قادرا على طرحه، واختلف إذا وصل اللهوات ثم عاد، فقال ابن حبيب: أساء ولا شيء عليه، وقال سحنون في كتاب ابنه: عليه القضاء، وشك في الكفارة.

                                                                                                                                                                                        ولا شيء على من ذرعه القيء إذا لم يرجع إلى حلقه، أو رجع قبل وصوله، واختلف إذا رجع قبل وصوله مغلوبا أو غير مغلوب وهو ناس - فروى ابن أبي أويس عن مالك في المبسوط: عليه القضاء إذا رجع شيء وإن لم يزدرده، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه إذا كان ناسيا، وهذا اختلاف قول، فعلى قوله في المغلوب يقضي; يقضي الناسي وهو أولى بالقضاء، وعلى قوله في الناسي لا شيء عليه: يسقط القضاء عن المغلوب.

                                                                                                                                                                                        واختلف في المتعمد للقيء فقال ابن الماجشون: عليه القضاء والكفارة. وقال عروة بن الزبير ويحيى بن سعيد في مدونة أشهب: من [ ص: 742 ] استقاء فقد أفطر، وقيل: لا يقع به فطر، ويستحب القضاء لإمكان أن يكون رجع شيء.

                                                                                                                                                                                        وهو أحسن، وهو الظاهر من قول ابن القاسم; لأنه لم ير ذلك في صوم الظهار قاطعا للتتابع، وهذا هو الصواب، وغيره وهم، وإنما ورد القرآن بامتناع إدخال الطعام وليس أن يخرجه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- إخبارا عن الله سبحانه: ".. يدع طعامه وشرابه من أجلي.." الحديث.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية