الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولما أخبر أنه من عنده؛ علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير؛ فقال - صارفا القول عن الغيبة؛ منبها على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانيا؛ مبرزا له في أسلوب العظمة؛ مخبرا أنه خص به أعظم خلقه؛ معبرا بالإنزال الظاهر في الكل؛ تجوزا عن الحكم الجازم؛ الذي لا مرد له -: إنا ؛ أي: على ما لنا من العظمة؛ أنـزلنا ؛ أي: بما لنا من العظمة؛ وقرن هذه العظمة بحرف الغاية؛ المقتضي للواسطة؛ إشارة إلى أن هذا كان في البداية؛ بدلالة إتباعه بالأمر بالعبادة؛ بخلاف ما يأتي في هذه السورة؛ فإنه للنهاية بصيرورته خلقا له - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان بحرف الاستعلاء أنسب؛ دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم؛ وسبب اللمم؛ خاص به - صلى الله عليه وسلم -؛ ومن قرب منه؛ [ ص: 440 ] ويسره وسهولته لأمته؛ فقال: إليك ؛ أي: خاصة؛ بواسطة الملك؛ لا يقدر أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك؛ فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس؛ وأظهر موضع الإضمار؛ تفخيما؛ بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول؛ والفروع؛ واللطائف؛ والمعارف؛ الكتاب ؛ أي: الجامع لكل خير؛ مع البيان القاطع؛ والحكم الجازم بالماضي؛ والآتي؛ والكائن؛ متلبسا بالحق ؛ وهو مطابقة الواقع لجميع أخباره؛ فالواقع تابع لأخباره؛ لا يرى له خبر إلا طابقه مطابقة لا خفاء بشيء منها؛ لا حلية له؛ ولا لباس؛ إلا الحق؛ فلا دليل أدل على كونه من عنده من ذلك؛ فليتبعوا خبره؛ ولينظروا عينه وأثره.

                                                                                                                                                                                                                                      ولما ثبت بهذا أنه خصه - سبحانه - بشيء عجز عنه كل أحد؛ ثبت أنه - سبحانه - الإله وحده؛ فتسبب عن ذلك قوله - لفتا للقول عن مظهر العظمة؛ إلى أعظم منه؛ بلحظ جميع صفات الكمال؛ لأجل العبادة؛ تعظيما لقدرها؛ لأنها المقصود بالذات -: فاعبد الله ؛ أي: الحائز لجميع صفات الكمال؛ حال كونك مخلصا ؛ والإخلاص هو القصد إلى الله بالنية؛ بلا علة؛ له ؛ أي: وحده؛ الدين ؛ بمعانقة الأمر على غاية الخضوع؛ لأنه خصك بهذا الأمر العظيم؛ فهو أهل منك لذلك؛ وخسأ عنك الأعداء؛ فلا أحد منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن شيئا من أمرك؛ فأخلص لتكون رأس المخلصين؛ الذين تقدم آخر سورة "ص"؛ أنه لا سبيل للشيطان [ ص: 441 ] عليهم؛ وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم؛ ووقع الحث على الاقتداء بهم؛ بما ذكر من أمداحهم؛ لأجل صبرهم في إخلاصهم؛ قال الرازي : قال الجنيد: الإخلاص أصل كل عمل؛ وهو مربوط بأول الأعمال؛ وهو تصفية النية؛ ومنوط بأواخر الأعمال بألا يلتفت إليها؛ ولا يتحدث بها؛ ويضمر في جميع الأحوال؛ وهو إفراد الله بالعمل؛ وفي الخبر: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك".

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية