الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                وسئل قدس الله روحه عن " العينة " : هل هي جائزة في دين الإسلام ؟ أم لا ؟ وهل يجوز لأحد أن يقلد فيها بعض من رأى جوازها من الفقهاء أم يجب عليه أن يحتاط لدينه ويتبع النصوص الواردة في ذلك ومن تاب من " مسألة العينة " المذكورة : هل يحل له ما ربحه بطريقها ؟ أم يجب عليه إخراج الربح ورده إلى أربابه إن قدر أو التصدق بذلك ؟ فإن عاد إليها مقلدا بعد العلم ببطلانها : هل يجوز له ذلك ؟ أم لا ؟ وكذلك ما تقولون في " مسألة الثلاثية " ؟ و " مسألة التورق " ؟

                التالي السابق


                فأجاب : الحمد لله . أما إذا كان قصد الطالب أخذ دراهم بأكثر منها إلى أجل والمعطي يقصد إعطاءه ذلك . فهذا ربا لا ريب في تحريمه وإن تحيلا على ذلك بأي طريق كان ; فإنما الأعمال بالنيات [ ص: 440 ] وإنما لكل امرئ ما نوى ; فإن هذين قد قصدا الربا الذي أنزل الله في تحريمه القرآن وهو الربا الذي أنزل الله فيه قوله : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } .

                وكان الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل دين فيأتيه عند محل الأجل فيقول له : إما أن تقضي وإما أن تربي فإن قضاه وإلا زاده المدين في المال وزاده الغريم في الأجل فيكون قد باع المال بأكثر منه إلى أجل فأمرهم الله إذا تابوا أن لا يطالبوا إلا برأس المال وأهل الحيل يقصدون ما تقصده أهل الجاهلية ; لكنهم يخادعون الله ولهم طرق : أحدها : أن يبيعه السلعة إلى أجل ثم يبتاعها بأقل من ذلك نقدا كما قالت أم ولد زيد بن أرقم لعائشة : إني بعت من زيد غلاما إلى العطاء بثمانمائة وابتعته بستمائة نقدا . فقالت لها عائشة : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب قالت : يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فقرأت عائشة : { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله } . [ ص: 441 ] وقيل لابن عباس : رجل باع حريرة إلى أجل ثم ابتاعها بأقل من ذلك ؟ فقال : دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة . وسئل أنس بن مالك عن نحو ذلك فقال : هذا مما حرمه الله ورسوله . وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا } وهؤلاء قد باعوا بيعتين في بيعة .

                وكذلك إذا اتفقا على المعاملة الربوية ثم أتيا إلى صاحب حانوت يطلبان منه متاعا بقدر المال فاشتراه المعطي ثم باعه الآخذ إلى أجل ثم أعاده إلى صاحب الحانوت بأقل من ذلك . فيكون صاحب الحانوت واسطة بينهما بجعل فهذا أيضا من الربا الذي لا ريب فيه .

                وكذلك إذا ضما إلى القرض محاباة في بيع أو إجارة أو غير ذلك مثل أن يقرضه مائة ويبيعه سلعة تساوي خمسمائة أو يؤجره حانوتا يساوي كراه مائة بخمسين فهذا أيضا من الربا ومن رواية الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك } قال الترمذي : حديث صحيح . فقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم السلف - وهو القرض - مع البيع .

                والأصل في هذا الباب أن الشراء على ثلاثة أنواع : [ ص: 442 ] أحدها : أن يشتري السلعة من يقصد الانتفاع بها كالأكل والشرب واللباس والركوب والسكنى ونحو ذلك . فهذا هو البيع الذي أحله الله .

                والثاني : أن يشتريها من يقصد أن يتجر فيها إما في ذلك البلد وإما في غيره فهذه هي التجارة التي أباحها الله .

                والثالث : أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا ; بل مقصوده دراهم لحاجته إليها . وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضا أو سلما فيشتري سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا هو " التورق " وهو مكروه في أظهر قولي العلماء وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ; كما قال عمر بن عبد العزيز : التورق أخية الربا . وقال ابن عباس : إذا استقمت بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس به وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم .

                ومعنى كلامه إذا استقمت ; إذا قومت . يعني : إذا قومت السلعة بنقد وابتعتها إلى أجل فإنما مقصودك دراهم بدراهم هكذا " التورق " يقوم السلعة في الحال ثم يشتريها إلى أجل بأكثر من ذلك . وقد يقول لصاحبه : أريد أن تعطيني ألف درهم فكم تربح ؟ فيقول : مائتين أو نحو ذلك . أو يقول : عندي هذا المال يساوي ألف [ ص: 443 ] درهم أو يحضران من يقومه بألف درهم ثم يبيعه بأكثر منه إلى أجل فهذا مما نهي عنه في الصحيح .

                وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة كهذه المعاملات المسئول عنها وغيرها وكان متأولا في ذلك ومعتقدا جوازه لاجتهاد أو تقليد أو تشبه ببعض أهل العلم أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم ونحو ذلك . فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك وأن الذي أفتاهم أخطأ . فإنهم قبضوها بتأويل فليسوا أسوأ حالا مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل .

                فإن الكفار إذا تبايعوا بينهم خمرا أو خنزيرا وهم يعتقدون جواز ذلك وتقابضوا من الطرفين أو تعاملوا بربا صريح يعتقدون جوازه وتقابضوا من الطرفين ثم أسلموا ثم تحاكموا إلينا : أقررناهم على ما بأيديهم وجاز لهم بعد الإسلام أن ينتفعوا بذلك . كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } فأمرهم بترك ما بقي لهم في الذمم ولم يأمرهم بإعادة ما قبضوه .

                وكان بعض نواب عمر بالعراق يأخذ من أهل الذمة الجزية خمرا ثم يبيعها لهم فكتب إليه عمر ينهاه عن ذلك . وقال : إن رسول [ ص: 444 ] الله صلى الله عليه وسلم قال : { لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها } ولكن ولوهم بيعها وخذوا أثمانها . فنهاهم عمر عن بيع الخمر وقال ولو أبيعها الكفار . فإذا باعوها هم لأهل دينهم وقبضوا أثمانها جاز للمسلمين أن يأخذوا ذلك الثمن منهم ; ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم { أيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وأيما قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام } .

                بل أكثر العلماء كمالك وأحمد وأبي حنيفة يقولون بما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وهو : أن الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين بالمحاربة ثم أسلموا بعد ذلك أو عاهدوا فإنها تقر بأيديهم كما أقر النبي صلى الله عليه وسلم بيد المشركين ما كانوا أخذوه من أموال المسلمين حال الكفر ; لأنهم لم يعتقدوا تحريم ذلك وقد أسلموا والإسلام يجب ما قبله فإنما غفر لهم بالإسلام ما تقدم من الكفر والأعمال صاروا مكتسبين لها بما لا يأثمون به .

                وإذا كان الأمر كذلك : فالمسلم المتأول الذي يعتقد جواز ما فعله من المبايعات والمؤاجرات والمعاملات التي يفتي فيها بعض العلماء إذا أقبض بها أموال وتبين لأصحابها فيما بعد أن القول الصحيح تحريم ذلك : لم يحرم عليهم ما قبضوه بالتأويل كما لم يحرم على الكفار بعد الإسلام [ ص: 445 ] ما اكتسبوه في حال الكفر بالتأويل ويجوز لغيرهم من المسلمين الذين يعتقدون تحريم ذلك أن يعاملوهم فيه ; كما يجوز للمسلم أن يعامل الذمي فيما في يده من ثمن الخمر وغيره ; لكن عليهم إذا سمعوا العلم أن يتوبوا من هذه المعاملات الربوية ولا يصلح أن يقلد فيها أحدا ممن يفتي بالجواز تقليدا لبعض العلماء ; فإن تحريم هذه المعاملات ثابت بالنصوص والآثار ولم يختلف الصحابة في تحريمها وأصول الشريعة شاهدة بتحريمها .

                والمفاسد التي لأجلها حرم الله الربا موجودة في هذه المعاملات مع زيادة مكر وخداع وتعب وعذاب . فإنهم يكلفون من الرؤية والصفة والقبض وغير ذلك من أمور يحتاج إليها في البيع المقصود وهذا البيع ليس مقصودا لهم وإنما المقصود أخذ دراهم بدراهم فيطول عليهم الطريق التي يؤمرون بها فيحصل لهم الربا فهم من أهل الربا المعذبين في الدنيا قبل الآخرة وقلوبهم تشهد بأن هذا الذي يفعلونه مكر وخداع وتلبيس ; ولهذا قال أيوب السختياني : يخادعون الله كما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون علي .

                والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع وقد صنفت كتابا كبيرا في هذا . والله أعلم .




                الخدمات العلمية