الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن

جزء التالي صفحة
السابق

باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة وقال شريح للغزالين سنتكم بينكم ربحا وقال عبد الوهاب عن أيوب عن محمد لا بأس العشرة بأحد عشر ويأخذ للنفقة ربحا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وقال تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حمارا فقال بكم قال بدانقين فركبه ثم جاء مرة أخرى فقال الحمار الحمار فركبه ولم يشارطه فبعث إليه بنصف درهم

2096 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال حجم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه [ ص: 474 ]

التالي السابق


[ ص: 474 ] قوله : ( باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والكيل والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة ) قال ابن المنير وغيره : مقصوده بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف ، وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ . ولو أن رجلا وكل رجلا في بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز ، وكذا لو باع موزونا أو مكيلا بغير الكيل أو الوزن المعتاد ، وذكر القاضي الحسين من الشافعية أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه ، فمنها الرجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر ضبة الفضة وكبرها وغالب الكثافة في اللحية ونادرها وقرب منزله وبعده وكثرة فعل أو كلام وقلته في الصلاة ، ومقابلا بعوض في البيع [1] وعينا وثمن مثل ومهر مثل وكفء نكاح ومؤنة ونفقة وكسوة وسكنى وما يليق بحال الشخص من ذلك ، ومنها الرجوع إليه في المقادير كالحيض والطهر وأكثر مدة الحمل وسن اليأس ، ومنها الرجوع إليه في فعل غير منضبط يترتب عليه الأحكام كإحياء الموات والإذن في الضيافة ودخول بيت قريب وتبسط مع صديق وما يعد قبضا وإيداعا وهدية وغصبا وحفظ وديعة وانتفاعا بعارية ، ومنها الرجوع إليه في أمر مخصص كألفاظ الأيمان وفي الوقف والوصية والتفويض ومقادير المكاييل والموازين والنقود وغير ذلك .

قوله : ( وقال شريح للغزالين ) بالمعجمة وتشديد الزاي .

قوله : ( سنتكم بينكم ) أي : جائزة ، وهذا على أن يقرأ سنتكم بالرفع ، ويحتمل أن يقرأ بالنصب على حذف فعل أي : الزموا . وهذا وصله سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين أن ناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان بينهم فقالوا : إن سنتنا بيننا كذا وكذا ، فقال : سنتكم بينكم .

( تنبيه ) : وقع في بعض نسخ الصحيح : " سنتكم بينكم ربحا " وقوله : " ربحا " لفظة زائدة لا معنى لها هنا وإنما هي في آخر الأثر الذي بعده .

[ ص: 475 ] قوله : ( وقال عبد الوهاب ) هو ابن عبد المجيد ( عن أيوب عن محمد ) هو ابن سيرين ، وهذا وصله أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الوهاب هذا .

قوله : ( لا بأس العشرة بأحد عشر ) أي : لا بأس أن يبيع ما اشتراه بمائة دينار مثلا كل عشرة منه بأحد عشر فيكون رأس المال عشرة والربح دينارا ، قال ابن بطال : أصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم من غير أن يعلم مقدار الصبرة فأجازه قوم ومنعه آخرون . قلت : وفي كون هذا الفرع هو المراد من أثر ابن سيرين نظر لا يخفى ، وأما قوله ويأخذ للنفقة ربحا فاختلفوا فيه فقال مالك : لا يأخذ إلا فيما له تأثير في السلعة كالصبغ والخياطة ، وأما أجرة السمسار والطي والشد فلا ، قال : فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك . وقال الجمهور : للبائع أن يحسب في المرابحة جمع ما صرفه ويقول : قام علي بكذا . ووجه دخول هذا الأثر في الترجمة الإشارة إلى أنه إذا كان في عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر فباعه المشتري على ذلك العرف لم يكن به بأس .

قوله : ( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند ) أي : بنت عتبة زوج أبي سفيان وقد ذكر قصتها موصولة في الباب .

قوله : ( واكترى الحسن ) أي : البصري ( من عبد الله بن مرداس حمارا إلخ ) وصله سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس فذكر مثله ، وقوله : " الحمار الحمار " بالنصب فيهما بفعل مضمر أي : أحضر أو اطلب ، ويجوز الرفع أي : المطلوب ، والدانق بالمهملة ونون خفيفة مكسورة بعدها قاف : وزن سدس درهم ، ووجه دخوله في الترجمة ظاهر من جهة أنه لم يشارطه اعتمادا على الأجرة المتقدمة ، وزاده بعد ذلك على الأجرة المذكورة على طريق الفضل .

ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث : حديث أنس في قصة أبي طيبة وقد تقدم ذكره في أوائل البيوع وساقه فيه بهذا الإسناد ، ووجه دخوله في الترجمة كونه - صلى الله عليه وسلم - لم يشارطه على أجرته اعتمادا على العرف في مثله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث