الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 5 ] 414 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العدد الذين يجوز أن يضحى بالبدنة عنهم .

2581 - حدثنا فهد بن سليمان ، قال : حدثنا يوسف بن بهلول ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت ، لا يريد قتالا ، وساق معه الهدي ، فكان الهدي سبعين بدنة ، وكان الناس سبع مائة رجل ، وكانت كل بدنة عن عشرة .

[ ص: 6 ] قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث أن كل بدنة كانت من تلك البدن عن عشرة من القوم الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ ، غير أنا لم نجد أحدا ممن روى هذا الحديث عن الزهري تابع محمد بن إسحاق على ما رواه عليه من عدد الناس الذين كانوا حينئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنهم كانوا سبع مائة ، فمن خالفه في ذلك وذكر أنهم بضع عشرة مائة : معمر بن راشد ، وسفيان بن عيينة .

2582 - كما حدثنا محمد بن النعمان السقطي ، قال : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن مروان بن الحكم ، والمسور بن مخرمة قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية مع بضع عشرة مائة ، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها ، قال سفيان : انتهى حفظي من الزهري إلى هذا ، وكان طويلا ، فثبتني معمر .

[ ص: 7 ]

2583 - حدثنا محمد بن جعفر بن أعين قال : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال : أنبأنا عبد الرزاق ، قال : أنبأنا معمر ، عن الزهري قال : وأخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - يصدق كل واحد منهما صاحبه - ثم ذكر مثله .

2584 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أنبأنا يعقوب بن إبراهيم ، يعني : الدورقي ، قال : حدثنا يحيى القطان قراءة علينا من كتابه ، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك ، قال : حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور ومروان مثله ، قال : والجماعة أولى في القبول والحفظ من واحد ؛ لأن كل [ ص: 8 ] أصحاب الزهري ممن روى هذا الحديث عنه قد وافق معمرا وسفيان على ما روياه عليه عنه ، وخالف ابن إسحاق فيما رواه عليه عنه .

قال أبو جعفر : ولم يكن المسور ولا مروان ممن حضر ذلك ولا شاهده ، وقد كان جابر بن عبد الله ، والبراء بن عازب الأنصاريان ممن شهد ذلك ، فكلاهما يخبر في عدد القوم بخلاف ما أخبر محمد بن إسحاق فيه .

2585 - كما حدثنا يونس ، والربيع المرادي ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم قالوا : أنبأنا شعيب بن الليث ، غير محمد ، فإنه قال : أنبأنا أبي ، وشعيب بن الليث ، ثم اجتمعوا جميعا ، فقالوا : عن الليث ، قال : أنبأنا أبو الزبير ، عن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة ، وهي سمرة ، فبايعناه على أن لا نفر ، ولم نبايعه على الموت .

[ ص: 9 ]

وكما حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت سالم بن أبي الجعد ، قال شعبة : وأخبرني حصين قال : سمعت سالما قال : قلت لجابر بن عبد الله : كم كنتم تحت الشجرة ؟ قال : كنا ألفا وخمس مائة .

وكما حدثنا يزيد ، قال : حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، قال : حدثنا جرير قال : قال الأعمش : حدثني سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألف وأربع مائة .

[ ص: 10 ]

2586 - وكما حدثنا محمد بن علي بن زيد ، قال : حدثنا الحلواني ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم اليوم خير أهل الأرض .

2587 - وكما حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، [ ص: 11 ] عن البراء ، قال : كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة - والحديبية بئر - فنزحناها حتى لم يبق منها قطرة ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير البئر فتمضمض ومج في البئر ، فما مكثنا غير بعيد حتى استقينا حتى روينا ورويت رحالنا .

قال : فثبت بذلك أن عدد القوم الذين كانوا يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما روى محمد بن إسحاق من عددهم ، ثم احتمل أن يكون البدن عددها كما ذكر محمد بن إسحاق ، أو خلاف ذلك ، غير أنا قد وقفنا أنه إنما نحرت كل بدنة منها عن سبعة ، كذلك ذكر جابر .

2588 - كما حدثنا محمد بن علي بن داود ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة ، قال : حدثنا حماد عن قيس بن سعد عن عطاء [ ص: 12 ] عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح البقرة عن سبعة ، والجزور عن سبعة .

2589 - وكما حدثنا يزيد ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد ، ثم ذكر بإسناده مثله .

2590 - وكما حدثنا يزيد ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن أبي سفيان عن جابر قال : نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة .

2591 - وكما حدثنا يزيد ، قال : حدثنا أبو كامل ، قال : حدثنا [ ص: 13 ] أبو عوانة عن أبي بشر عن سليمان بن قيس عن جابر بن عبد الله مثله .

2592 - حدثنا يونس قال : أنبأنا ابن وهب أن مالكا حدثه ( ح ) وكما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عامر العقدي ، قال : حدثنا مالك بن أنس ثم اجتمعا ، فقالا عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله حدثه أنهم نحروا يوم الحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

ففي هذا أن السبعين لم تنحر إلا عن خاص من القوم الذين عددهم ألف وأربع مائة فقال قائل : فقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ضحوا معه بالبعير عن عشرة .

[ ص: 14 ]

2593 - وذكر ما قد حدثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ( ح ) وما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا هدية بن عبد الوهاب قالا : أنبأنا الفضل بن موسى ، عن الحسين بن واقد عن علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فضحينا البعير عن عشرة .

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن هذا الحديث قد روي كما ذكر ، ولكنه قد وافق جابرا في السبعة ، وزاد عليه ما [ ص: 15 ] فوقها فصارت السبعة إجماعا ، وما فوقها يطلب الدليل عليه ، غير أنه زيادة على ما في حديث جابر ، والزيادة أولى ، فنظرنا : هل روي ما يخالفه .

2594 - فوجدنا أحمد بن داود قد حدثنا ، قال : حدثنا هدبة بن خالد قال : سمعت أبان بن يزيد يحدث عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الجزور عن سبعة .

2595 - وكما قد حدثنا أحمد ، قال : حدثنا إبراهيم بن الحجاج ، قال : حدثنا أبان ، عن قتادة ، عن أنس رفعه مرة ولم يرفعه ثانية مثله .

قال أبو جعفر : فكان هذا أولى لأن في هذا التوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم على العدد الذي هو سبعة ما يمنع أن يجزئ عما هو أكثر من ذلك غير أن بعض الناس قد احتج في هذا للسبعة .

2596 - بما حدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، [ ص: 16 ] عن ابن عباس قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : علي ناقة ، وقد عزبت علي ، فقال : اشتر سبعا من الغنم .

قال : فهذا يدل على أن الجزور عدله سبعة من الغنم ، فكشفنا عن ذلك فوجدنا هذا الحديث فاسد الإسناد .

[ ص: 17 ]

2597 - كما حدثنا الربيع المرادي ، قال : حدثنا أسد ، قال : حدثنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، ثم ذكره .

فعقلنا بذلك أن عطاء الذي رواه ابن جريج عنه ليس بابن أبي رباح ، وإنما هو الخراساني الذي لم يسمع من ابن عباس ، ولم يره فعاد الذي ذكرناه يوجب حكم السبعة في البدنة ، وهو ما رويناه عن أنس في ذلك لا ما سواه ، والله عز وجل نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية