الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الثالث : حقيقة الإسراء

ثم اختلف السلف ، والعلماء : هل كان إسراؤه بروحه أو جسده ؟ على ثلاث مقالات : قد [ ص: 230 ] ذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، وأنه رؤيا منام ، مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي ، وإلى هذا ذهب معاوية ، وحكي عن الحسن ، والمشهور عنه خلافه ، وإليه أشار محمد بن إسحاق ، وحجتهم قوله - تعالى - : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس .

وما حكوا عن عائشة - رضي الله عنها - : ما فقدت جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقوله : بينا أنا نائم .

وقول أنس : وهو نائم في المسجد الحرام . . . وذكر القصة ، ثم قال في آخرها : فاستيقظت ، وأنا بالمسجد الحرام .

وذهب معظم السلف ، والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد ، وفي اليقظة ، وهذا هو الحق ، وهو قول ابن عباس ، وجابر ، وأنس ، وحذيفة ، وعمر ، وأبي هريرة ، ومالك بن صعصعة ، وأبي حبة البدري ، وابن مسعود ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، [ ص: 231 ] وابن المسيب ، وابن شهاب ، وابن زيد ، والحسن ، وإبراهيم ، ومسروق ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن جريج ، وهو دليل قول عائشة ، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء ، والمحدثين ، والمتكلمين ، والمفسرين .

وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ، وإلى السماء بالروح ، واحتجوا بقوله - تعالى - : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى [ الإسراء : 1 ] ، فجعل إلى المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة والتمدح بتشريف النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - به ، وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه .

قال هؤلاء : ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره ، فيكون أبلغ في المدح .

ثم اختلفت هذه الفرقتان : هل صلى ببيت المقدس أم لا ؟

ففي حديث أنس ، وغيره ما تقدم من صلاته فيه . وأنكر ذلك حذيفة بن اليمان وقال : والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا .

قال القاضي وفقه الله : والحق من هذا والصحيح إن شاء الله إنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها ، وعليه تدل الآية ، وصحيح الأخبار والاعتبار ، ولا يعدل عن الظاهر ، والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، وليس في الإسراء بجسده ، وحال يقظته استحالة ، إذ لو كان مناما لقال : بروح عبده ، ولم يقل : بعبده . وقوله - تعالى - : ما زاغ البصر وما طغى [ النجم : 17 ] ، ولو كان مناما لما كانت فيه آية ، ولا معجزة ، ولما استبعده الكفار ، ولا كذبوه فيه ، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم ، وافتتنوا به ، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر ، بل لم يكن منهم ذلك إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه ، وحال يقظته ، إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس أو في السماء على ما روى غيره ، وذكر مجيء جبريل له بالبراق [ ص: 232 ] وخبر المعراج ، واستفتاح السماء ، فيقال : من معك ؟ فيقول : محمد ، ولقائه الأنبياء فيها ، وخبرهم معه ، وترحيبهم به ، وشأنه في فرض الصلاة ، ومراجعته مع موسى في ذلك .

وفي بعض هذه الأخبار : فأخذ يعني جبريل بيدي فعرج بي إلى السماء . . . إلى قوله : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وأنه وصل إلى سدرة المنتهى ، وأنه دخل الجنة ، ورأى فيها ما ذكره .

قال ابن عباس : هي رؤيا عين رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - لا رؤيا منام .

وعن الحسن فيه : بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه ، فقمت فجلست فلم أر شيئا ، فعدت لمضجعي ذكر ذلك ثلاثا ، فقال في الثالثة : فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد فإذا بدابة . وذكر خبر البراق .

وعن أم هانئ : ما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو في بيتي تلك الليلة صلى العشاء الآخرة ، ونام بيننا ، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما صلى الصبح ، وصلينا قال : يا أم هانئ ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ، ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون .

وهذا بين في أنه ( بجسمه ) .

وعن أبي بكر من رواية شداد بن أوس عنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به :

طلبتك يا رسول الله البارحة في مكانك فلم أجدك . فأجابه : إن جبريل - عليه السلام - حملني إلى المسجد الأقصى .

وعن عمر - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد ، ثم [ ص: 233 ] دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه آنية ثلاث . . وذكر الحديث .

وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة ، فتحمل على ظاهرها .

وعن أبي ذر ، عنه - صلى الله عليه وسلم - : فرج سقف بيتي ، وأنا بمكة ، فنزل جبريل ، فشرح صدري ، ثم غسله بماء زمزم . . . إلى آخر القصة ، ثم أخذ بيدي ، فعرج بي . وعن أنس : أتيت فانطلق بي إلى زمزم ، فشرح عن صدري .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : لقد رأيتني في الحجر ، وقريش تسألني عن مسراي ، فسألتني عن أشياء لم أثبتها ، فكربت كربا ما كربت مثله قط ، فرفعه الله لي أنظر إليه .

ونحوه عن جابر .

وقد روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حديث الإسراء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ثم رجعت إلى خديجة ، وما تحولت عن جانبها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث